بيضاء تُسْبِلُ سُودًا من ذوائبها ... ما زال منهنّ ذَوْب المِسك مَفْتوتا
وتنِفُث السِّحرَ من أَجفان فاتنةٍ ... تُعَلِّمُ السّحرَ هاروتًا وماروتا
ومنها في صفة السيف:
كم زُرْتُها والقنا من دونها أُزُرٌ ... فما نَكِلْتُ ولكن زِدْت تَثْبيتا
ولي خليليٌ خَلِيٌّ أَستعينُ به ... عَضْبٌ به الماذِيُّ مَبْتوتا
يرعى نبات الطُّلى في كل مُعْتَرَكٍ ... وليس ترعى المنايا فيه تَنْبيتا
أَجرى الفِرَنْدُ على صَفْحَيْه جَدْوَلَه ... وصافح الحتفُ حتفًا فيه مَسْؤُوتا
وأَشبه الذَرَّ ذَرٌّ فيه مكتَمِنٌ ... لا يرتضي غير أَرواح العِدى قُوتا
أَجاده بسَرَنْديب وأَخْلَصه ... قَيْنٌ فجاء صقيل المَتْن إِصْليتا
يَظَلُّ يُرْعِدُ لا من خِيفةٍ فإِذا ... سَقْيتَه من دمٍ غَنّاك ما شِيتا
ومنها:
ورُبّ ليلٍ جعلنا في دُجُنَّتِه ... كأْسَ المُدامِ إِلى اللذات خِرِّيتا
كأْسًا تُجَمِّعُ أَشتاتَ السرورِ لنا ... كما تُشتِّت شملَ الهمِّ تَشْتيتا
فَسَقِّنيها بلا رَيْثٍ ولا مَهَلٍ ... ولا ازورارٍ إذا زُرْت الحوانيتا
واضرِم بنار السواقي نار ساقيةٍ ... لم نَكْرَ عَن شربها ليلًا بتكريتا
وغَنِّني ومغاني اللهو آهلةٌ ... هاتِ الحديثَ عن الزَّوْراء أَوهِيتا
وعَنْ سميّ ابن يعقوبَ الذي حِجَجي ... إِلى أَياديه لا يَلْزَمْن توقيتا
الناصرِ العادلِ المَلْكِ الذي بشَبا ... إِنصافه عاد عُود الظلم مَنْحوتا
والطاعِن الغرّ آلافا مَصاليتا ... والواهب الْحُمر آلافًا يواقيتا
حماة
ابن قسيم الحموي
هو أَبو المجد مسلم بن الخضر بن مسلم بن قسيم الحموي التنوخي. أبو المجد مجيدٌ للشعر، وحيدٌ للدهر، فريدٌ للعصر، ذو رقةٍ للقلوب مسترقة، وللعقول مسترقة، ولطفٍ للب سالب، وللخلب خالب، وللصبر غالب، ولدر البحر جالب، ولدر الفكر حالب، وفي عقد السحر بعقوده نافث، وبنسيم السحر في نسيبه عابث، نهجه محكم، ونسجه معلم، ومذهبه مذهب، وأسلوبه مهذب، وحوكه رفيع، وسبكه بديع، وسلكه متسق، ومطلعه مشرق، وروضه مونق، وعود فضله مورق.
كان ثالث القيسراني وابن منير في زمانها، وسبقهما في ميدانهما، نبغ في عصر شيخوختهما، وبلغ إلى درجتهما، وراق سحرهما سحره، وفاق شعرهما شعره، لكنه خانه عمره، وفل شبا شبابه، وحل حبي آدابه، وأمر جنى جنابه، وحل شعوب بشعابه، وذلك في سنة نيفٍ وأربعين وخمسمائة.
ووجدت في ديوانه لحنًا فاحشًا، ووهنًا بالخطل جائشا، ونظرت في ديوان شعره، فالتقطت فرائد دره، وقلائد سحره، وشحذت من غراره ما قبل الشحذ، وأخذت من خلاصته ما استوجب الأخذ، وأوردت لمحًا من ملحه، ونبذًا من منتقاه ومنتقحه.
فمن ذلك قوله:
أَهلًا بطيف خيالٍ زارني سَحَرًا ... فقمتُ والليلُ قد شابت ذوائبهُ
أُقبّل الأَرضَ إِجلالًا لزَوْرته ... كأَنْما صَدَقت عندي كواذبه
وكِدتُ لولاه وُشاةُ الصُّبح تُزْعجه ... بالبَيْن أُصغي لما قالت خَوالبه
ومودِع القلبِ من نار الجوى حُرَقًا ... قضى بها قبل أَنْ تُقْضى مآرِبه
تكاد من ذِكْر يوم البين تَحْرُقه ... لولا المدامعُ، أَنفاسٌ تُغالبه
وصار من فَرْط ما أَضناه يَحْذَره ... فَرْطُ الضَّنا، فهو بالي الجسم ذائبه
فللمدامع ما تُخفي ضمائره ... وللضَّنا منه ما تُخْفي جلاببه
ومنها في مدح الرقيب:
عابوا الرّقيب ولولاه لما حُمِدتْ ... عواقبُ الحُبّ وانساغت مَشارُبُه
ولست أعذِلُه فيما يحاول من ... حفظ الأَحبّة بل لا كان عائبه
إِني لأَعشقُ عذّالي على كَلَفي ... به ويحسُن في عيني مُراقبه
ومنها: