تَهَنَّ بالصوم وبالفِطرِ ... وعش سعيدًا آخر الدهرِ
يا سيّدًا فاق جميع الورى ... بالعلم والزُّهد وبالذِّكْرِ
إني جدير أن أنال الذي ... آمُلُ من نُعماكَ يا ذُخْري
إني إذا نافستُ لا أرعوي ... لأنني نجلُ أبي اليسرِ
القاضي أبو مسلم وادع
ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان
أخو القاضي أبي المجد جدّ أبي اليسر. كان أبو العلاء عمّ أبيه. ذكر أنه تولى القضاء بمعرة النعمان وكَفَرطاب وحماة وكان مشهورًا بالكرم. وله رسائل عذبة الألفاظ وشعر، منه قوله:
وقائلةٍ ما بال حِبِّك أرمدًا ... فقلتُ وفي الأحشاءِ من قولها لَدْغُ
لئن سَرَقَتْ عَيْنَاه من لون خدِّه ... فغير بديعٍ ربما نفض الصِّبْغُ
وقوله:
ولمّا تلاقَيْنا، وهذا بناره ... حريق، وهذي بالدموع غريقُ
تقلّدتِ الدُّرَّ الذي فاض جَفْنُها ... فرصَّعهُ من مُقلتَيَّ عَقيقُ
وقوله:
وقفنا وقد غاب المُراقبُ وقفةً ... أمِنّا بها أن يفتِك السُّخطُ بالرِّضا
على خلوةٍ لم يجرِ فيها تنَغُّصٌ ... بها عاد وجهُ الليل عنديَ أبيضا
تعيد حديثًا لا يُمَلُّ كأنّه ... حياةٌ أُعيدتْ في امرئٍ بعد ما قضى
مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
ولده أبو عديّ النعمان بن وادع
معروف بالشعر. أنشدني له القاضي أبو اليسر يرثي أباه وادعًا وجماعة من بني سليمان:
سقى اللهُ قبرًا بالمعرّةِ مُفْرَدًا ... سَحابًا من الغُفران ليس بمُقلِعِ
ثوى من بلادِ الله في خير بُقعةٍ ... وأُودِعَ فيها وادِعًا خَيْرَ مُودَعِ
فتىً شَغَلَتْ أخلاقُه ثم خَلْقُه ... بها عن سِواها كلَّ مرأى وَمَسْمَعِ
وحَيّا قبورًا بالمُقَيْبِرة التي ... حَوَتْ من تَنوخٍ كلَّ قَرْمٍ سَمَيْدعِ
وخَصَّ به الشيخ النبيه أبا العلا ... أخا العلم، تِرْب المجد، حِلْف التورُّعِ
وثانيه عبد الله جدّي فقد مضى ... كريمَ المُحيّا، أَرْوَعًا وابنَ أَرْوَعِ
وشخصين قد حلاّ بأعلى جرنجس ... شريفَيْن قد حلاّ بأَشرفِ مَوْضِعِ
ومسجد قيسٍ لاعدته سحابة ... تُساجِلُ في تَهْتَانِها فَيْضَ أدمعي
إلى أن يضاهي حَوْلَةَ المِسْكِ رادعًا ... خمائلُ رَبْعِيٍّ من الروضِ مُمْرِعِ
فثَمَّ رِمامُ ابني وعمّي ومعشرٍ ... عليّ كرامٍ صُرّعوا خَيْرَ مَصْرَعِ
وأنشدني الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ لأبي عديّ، وذكر أنه كان صديقه:
يا أيها المُلاّك لا تر ... تجوا الأمْلاكَ وارْجُوها إلى القابلِ
فالعامَ قد صحّتْ ولكنها ... للعدلِ والمُشْرِف والعامل
أنشدني أبو جعفر محمد بن حواري المعري للقاضي أبي عدي النعمان بن وادع قصيدة، وذكر أنه توفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة:
أهلًا وسهلًا بالخيال الوافي ... إذ سارَ في سَدَفٍ من الأسدافِ
مُتَجَلْبِبًا ثَوْبَ الظلام ليختفي ... فيه، ونورُ الشمس ليس بخاف
أهدَتْ بأطراف البنانِ تحيّةً ... قُرِنَتْ بأطراف القَنا الرَّعّافِ
بدويّةٌ لا سترَ تَلْقَى دونها ... بَعْدَ الصوارم غير بُعْدِ فيافي
أَلِفَتْ بها الظَّبياتِ حتى أنها ... كادتْ تُناجيها بعقد القاف
حُبٌّ تمكن في الفؤاد فلا أرى ... حتى المَعاد لدائِه مِن شافِ
ليسَ الرُّقى برُقىً لصاحبه ولا ... عَرّافُ نجدٍ فيه بالعرّافِ
جاءَتْ تَلافى القلبَ منه فعَزَّها ... أن يستردّ الشيء بعد تلافِ
مشيًا على أقدامِها وبودّها ... لو بُدِّلَتْ بقوادمٍ وخَوافِ