فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 895

فصلت عنه في أخريات النهار، وقد ظهر في أطراف الجدران لفرق فراق الشمس اصفرار، فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشفق، ولبست المشارق السواد لما تم في المغارب على الشمس من الغرق، وأقبلت مواكب الكواكب في طلب الثأر، كدراهم النثار، وتشابهت زواهرها وإن اختلفت في الأشجان بالأزهار في الأشجار، وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف، ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسدًا فأعرب عن غدر الخلف بالسلف، وظهر الوجوم في وجوه النجوم، وعيل صبر النسرين فواحد طائرٌ يحوم، وآخر واقع لا يقوم، ولم تزل متلاحقةً متسابقةً لتقفو الأثر وتسمع الخبر، إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح، وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح، وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا، وبرزت الغزالة من أس الكناس طلقة المحيا، وتراءت الوجوه، وزال ما زال بغيبتها من المكروه، وأخذت النجوم بالحظ من الطرب، بمقدار ما قدمته من الحض في الطلب، وانخرطت في سلوك شعاعها نظامًا، وزاد خوفها منها على رجائها فيها فذابت إكبارًا لها وإعظامًا.

ومن صدر مكاتبة:

لم يزل العبد لما عرض من إعراض المجلس لا زالت أوامره نافذه، والآمال بكعبة كرمه لائذة، ويده العالية بزمام الزمان آخذة، وكتبه الكرائم لعزائم كتائب الإسلام شاحذة وحدث من هجره له، وظهر من قلة احتفاله به، وخاض فيه المعارف من تغيره عليه، وتناقله الوشاة من أمر صده عنه، وتقارضه الشامت من سوء رأيه فيه، ذا زفراتٍ سوام تتضرم، وعبرات هوامٍ تتصرم، وعبارات عن بسط عذره تعثر بالكلام عيا فيتذمم بالصمت عن أن يتحرر ويتحرم، وأفكارٍ تتنزه عن إساءة الظن بمودته فما يتكدر حتى يتكرم، فكم تناول القلب جلدهُ فجلده بالقلق لما تجاوز حده وحده، وأجرى من سوابق دموعه عسكرًا فجرى فشق خده وخده، وأوجده السبيل إلى أن أبدى صحيفة وجه صبره مسوده، وتمنى لو كان الموت قبل إخلافه وعده وإخلاقه وده ووده، حتى جنى ورد ورود كتابه الكريم من انتظام شوك انتظاره، ورفع ناظره بقدومه عليه على كافة أمثاله وأنظاره، فعلم أن علم المودة قد رفع، وموصول حبل الجفوة قد قطع، وكاد القلب يخرج لمصافحته لو استطاع نفاذًا، واجتمعت فيه أماني النفس فاتخذته دون جميع الملاذ ملاذا، وتناوله بيد الإجلال، وقصه بيد الإِدلال، الذي أَباحَ له الإِخلادَ إِلى الإِحلال، فوجده منظومًا على خطٍ كالكؤوس المرصعة، لما لاح مِدَادُه مُدَامًا ونَقْطُه حَبَبًان وألفاظٍ تبيح للمناظر طلبًا، وتتيح للخواطر طربًا، ومعانٍ ما حلت في ميدان البيان حتى جلت فحسب الأفكار بها حسبًا، وتعريضات لو كان التصريح فضةً لكانت ذهبًا، أو كان شررًا لكانت لهبًا، ومنن ما لاحت سحائبها حتى وكفت، وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمت وكفت، فرفع إلى السماء يديه وهي قبلة الدعاء، وعفر في الأرض خديه وهو جهد الضعفاء.

وله من فصول جواب مكاتبة إلى صديق له سافر إلى الشام:

إلامَ يصيرُ القلبُ للخطب مِنْبَرَا ... ويصبر للجُلَّى وإن كان مُنْبَرَا

وكيف يُلامُ الصبُّ في صبِّ دمعه ... عقيقًا على مصفرِّ خديه أحمرا

وَقَدْ وَقَدَ البَرْحُ المبرِّحُ في الحشا ... فراع دخانُ الوجد في الوجه منظرا

وزادت دواعي الشوقِ إذ زالت القُوَى ... فأصبح معروفُ التجلُّدِ منكرا

فلو شامَ طَرْفُ الشامِ برقَ تنفسي ... لتذكار مَنْ فيه إذنْ لتَفَطَّرا

على أَنَّ من أَمسى رفيقَ تفرق ... ومن قَصَّدَ الأشعارَ في الشوق قَصَّرا

وبعد فما ضاق الصدر، وضاع الصبر، وضعف الجلد، وتضاعف الكمد، وادلهم ليل الهم بفراق الحضرة السامية حتى طلبع بدر كتابها فاهتدت ضوال الأفكار الشاردة، ولمع شهاب خطابها فاحترقت شياطين الظنون الماردة، ولله الحمد على ما أعرب عنه من سلامة ركابها، والرغبة في تقوية أسباب استتباب نعمتها وتعجيل إيابها، وأن يكون ذلك بحسب ما تورثه وتقرره، بتلك الأعمال من الأعمال الصالحة وتؤثره.

ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت