ثم أَهدى الرَّشيدُ ابن الزُّبيرَ ديوانَ أَبي الصلت إِلى الدّاعي محمّد بن سبأ فوجد القصيدة فيه، فكتب إِلى الأَديب أَبي بكر بعَدَن كتابًا يأْمره فيه بتسيير القصيدة إِليه إلى الجبال فنسخها الأَديب بخطّه وزاد في آخرها اعتذارًا عن ابن الطّرائقي، وكان قد مات، قوله:
هذي صفاتُك يا مَكين وإِن غدا ... فيمَنْ سِواك مَديحُها مغصوبا
فاغفِر لمُهديها إِليك فإِنّه ... قد زادَها بِشَريفِ ذِكرك طِيبا
وذكر أَنّه حدّثه الفقيه أَبو العبّاس أَحمد بن محمد بن الأُبِّيّ قال: أَذكر ليلةً أَنا أَمشي مع الأَديب على ساحل عَدَن وقد تشاغلتُ عن الحديث معه فسأَلني في أي شيء أنت مفكر؟ فأَنشدته:
وأَنظرُ البدرَ مرتاحًا لِرؤيته ... لعلَّ طرف الذي أَهواه بنظرهُ
فقال لمن هذا البيت؟ قلت: لي، فأَنشدَ مُرْتجِلًا:
يا راقِدَ الليلِ بالإِسكندريَّة لي ... مَنْ يسهرُ الليلَ وَجْدًا بي وأَسهُرهُ
أُلاحظ النَّجْمَ تَذْكارًا لرُؤّيَته ... وإِنْ مَرى دمعَ أَجفاني تَذَكُّرهُ
وأَنظرُ البدرَ مُرتاحًا لرؤيته ... لعلَّ طَرْف الذي أَهواه ينظُرهْ
قال: ثم سمعت أنَّ بصَره قد كُفّ، فعلمِتُ أَنّ الأيّام طَمَست بذلك مِنْهاج جَمالها، وأَطفأَت سِراج كَمالها، فأَجناه الله ثمر الخير الذي كان يغرِسُه، وحَرَسه ناظِرُ الإِحسان الذي كان يرعاه ويحُسِره، فتزايدتْ وَجاهته، وتضاعفت رفعتُه ونباهته، وأَراد الزمانُ أن يَخفِضَه فرَفعَه، وأَن يَضُرَّه فنفَعَه.
وذكر أَنّ الدّاعي عمران بن محمد بن سبأ بن أبي السعود بن زُرَيْع ليامي لمّا وقف الأَديبُ يُنشده قصيدةً عملها فيه، بعد انعكاس نور البصر من ناظره، إِلى بَصيرَة خاطره، حمل إِليه أَلفَ دينار واعتذر ولَطَف له في القول لُطفًا يسلّي الحزين، ويستخفّ الرَّزين، ثم لم يَرْضَ بذلك حتى أَمر مُناديًا فنادى في النّاس من دخلَ دارَ الشيخ الأديب فهو آمن. قال: والشعرُ الجيّد الرائق الفائق أَقلُّ خِصاله، وأَكَلُّ نِصاله. وأَورد من شعره قولَه يمدح الداعي عِمران بن محمد بن سبأ:
عادَ الهوى في فُؤادي مثلَ ما بدأَ ... لمّا تَعرَّفْتُ مِن أَهل الحِمى نَبأَ
أَمْلى على القلب ساري البرقِ مُبتسمًا ... عنهم أَحاديثَ شوقٍ تُطرِب الملأَ
فبِتُّ أُروي رُبي خَدَّيّ من دِيَمٍ ... تَزْداد غُلَّةُ أَحشائي بها ظَمَأَ
رُقى العواذِل مُهْراق النَّجيع بها ... لمّا ترقرق مُنْهَلًا فما رقَأَ
لَعَلَّ لامِعَ ذاك البرقِ كان لهم ... طليعةً طالعَ الأَسرار فارتَبَأَ
لَئِنْ براني هوى أَهلِ الحِمى فَلَكَمْ ... داوَيْتُ من حُبِّهمْ دائي فما بَرأَ
يُدْنيهمُ الشوقُ منّي والحنينُ وإِن ... شَطَّ المَزار بهم عن ناظِري ونأَى
وما تقتَّصني منهم سوى رَشَإٍ ... أَفدي بمُهجة نفسي ذلك الرشأَ
أغَنَّ يَغْنى عن البدر المُنير به ... مَنْ جالس الشَّمسَ مِن أَزراره ورأَى
مِلءُ النَّواظرُ حُسنًا حين تلحظُهُ ... وأَمْلَكُ الحُسن للأَلحاظ ما مَلأَ
ما اهتَزَّ غُصنُ الصِّبا مِن عِطْف قامته ... إِلاّ وأَزْرى بِغُصن البانِ أَو هَزَأَ
نَشْوان تحسَبُ صَرْفَ الرّاح رَنَّحهُ ... أَو مدحَ داعي الهُدى عاطاه فانتشأَ
عِمران أَكرمُ مَنْ جاءَ الزّمان به ... فَرْدًا وأَشرفُ من في حِجْره نَشَأَ
كأَنّ قحطانَ قِدْمًا كان أَوْدَع في ... ضَمائر الفضل سِرًّا منه أَو خَبَأَ
مَنْ أَوْطأَتْهُ على كِيوانَ هِمَّتُهُ ... لو كان يَرْضى على كيوانَ أَنْ يَطأَ
وأزداد فخرًا عَلَى ما شاد والدهُ ... محمد، وَسَبا في مجده سَبَأَ
تناول الغَرضَ الأَقصى فأَدركهُ ... واختاز غاياتِ أَملاكِ الورى وشأَي