الخير والإحسان .. ويكون من مفهوم الآية الكريمة .. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم .. أولئك رضى اللّه عنهم ، وأنزلهم منازل رحمته وإحسانه « وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » .
وفى تكرار الإشارة إلى الرسول والمؤمنين المجاهدين في قوله تعالى: «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » تأكيد للتنويه بهم ، وتقرير لدرجتهم العالية ، ومنزلتهم الكريمة التي أنزلهم اللّه إياها .. كما أن في ذلك إشارة إلى أن مقامهم هذا الرفيع الذي هم فيه ، لا تبلغه الإشارة التي يقصر عنها النظر ، وأنه لكى يمكن أن يرتفع النظر إلى هذا المستوي ، ينبغى أن يكون ذلك على مراحل يقطعها صعدا في الوصول إليهم.
« أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ » .. فانظر إليهم .. إنهم هنا! لا .. إنهم هناك .. ولا .. إنهم فوق هذا .. « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير!" [1] "
"إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين. وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق ، فتختار الذل والمهانة هربا من هذه التكاليف الثقال ، فتعيش عيشة تافهة رخيصة ، مفزعة قلقة ، تخاف من ظلها ، وتفرق من صداها ، يحسبون كل صيحة عليهم ، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة .. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة. إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم ، ويؤدونها من أقدارهم ، ويؤدونها من سمعتهم ، ويؤدونها من اطمئنانهم ، وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون»"
ومن هؤلاء .. أولئك الذين «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» ..
«لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» .. وهم طراز آخر غير ذلك الطراز .. «جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» ..فنهضوا بتكاليف العقيدة ، وأدوا واجب الإيمان وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ» ..خيرات الدنيا والآخرة ، في الدنيا لهم العزة
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 862)