من العذاب ؟ ألا يكفيهم ما يلقون في جهنم من عذاب ؟ أيريدون بعد هذا مزيدا منه ؟ ." [1] "
"والآية توحي بأن خطة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مع المنافقين في أول الأمر كانت هي النصح لهم بالاستقامة والإخلاص ، ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدبرونها بالاتفاق مع اليهود في المدينة وبوحيهم."
وأنهم بعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة ، وفي دسائسهم الخفية ، وفي التدبير السيئ للجماعة المسلمة ، وفي اختيار الطرق والوسائل التي يعصون بها أوامر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويفسدون عليه أمره وأمر المسلمين المخلصين.
كما أنها توحي بأن بعضهم كان يلتوي في صيغة التحية فيحورها إلى معنى سيّئ خفي: «وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ» . كأن يقولوا - كما كان اليهود يقولون - السام عليكم. وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليكم. بمعنى الموت لكم أو بمعنى تسامون في دينكم! أو أية صيغة أخرى ظاهرها بريء وباطنها لئيم! وهم يقولون في أنفسهم: لو كان نبيا حقا لعاقبنا اللّه على قولنا هذا. أي في تحيتهم ، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات.
وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن اللّه قد أخبر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم. فقد سبق في السورة إعلان أن اللّه قد سمع للمرأة المجادلة وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم .. إلخ. مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر مجالسهم! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم.
ثم رد عليهم بقوله تعالى: «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» .وكشف هذه المؤامرات الخفية ، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعد ما نهوا عنها ، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم: «لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ» .. هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم اللّه بما في السماوات وما في الأرض ، وحضوره لكل نجوى ، وشهوده لكل
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (14 / 824)