صدقات بين يدى نجواهم ، فاللّه سبحانه غفور ، أي كثير المغفرة ، تسع مغفرته الخلق جميعا ، وهو رحيم بكم ، فلا يحرمكم مغفرته التي قصرت أيديكم عن أن تنالوها بالصدقة ..
وقوله تعالى: « أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » . المفسرون يكادون يكونون على إجماع بأن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها .. بمعنى أن تقديم الصدقة من المؤمن الذي يودّ مناجاة الرسول ، قبل أن يدخل في مناجاته ، والذي دعت إليه الآية السابقة ـ قد جاءت هذه الآية ناسخا له ، تخفيفا على الذين يودون مناجاة النبي.ويقولون لتعليل هذا النسخ ، إنه لما نزل قوله تعالى: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً » .. شقّ ذلك على كثير من المؤمنين ، وضنّ كثير من الأغنياء بأموالهم أن يخرجوا منها صدقة عند مناجاة الرسول ، وبهذا قلّت تلك الأعداد الكثيرة التي كانت تسعى إلى مناجاة النبي ، فنزلت الآية: « أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ » فنسخت الآية التي قبلها ، وأبيح للمؤمنين مناجاة الرسول من غير صدقة يقدمونها بين يدى نجواهم!!
ونحن على رأينا من أنه لا نسخ في القرآن ، وأنه لا نسخ في هذه الآية بالذات .. وذلك من وجوه.
أولا: أن الصدقة التي دعي المؤمنون إلى تقديمها بين يدى نجواهم غير محددة المقدار ، ومن هنا كانت أىّ صدقة يقدمها المؤمن في هذا المقام مجزية له ، ولو كانت شقّ تمرة .. وإذن فليس في هذه الصدقة ما يشق على المؤمنين ، حتى يجيء الأمر بنسخ تقديم هذه الصدقة.
وثانيا: ليس ما جاءت به الآية من الأمر بتقديم الصدقة ـ واللّه أعلم ـ أمرا ملزما ، يقع موقع الوجوب ، بل هو أمر للندب والاستحباب ، ولذلك علّل له بقوله تعالى: « ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ » .. ثم جاءت المجاوزة عنه عند عدم وجود الصدقة: « فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .