وفي هذه الآية ، يقيم القرآن علاقات بين ذوات متباعدة في النسب ، ويجعل بينها من التلاحم ، والتوادّ ، ورعاية الحرمات ، أكثر مما تقضى به دواعى النسب والقرابة ..!
فالنبى ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ وإن لم يكن بينه وبين المؤمنين علاقة نسب وقرابة ، هو أقرب إليهم من كل قريب ، وآثر عندهم من كل قرابة ، . بل إنه لأولى بهم من أنفسهم .. واللّه سبحانه وتعالى يقول: « قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ »
(24: التوبة) ويقول سبحانه: « ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ » (120: التوبة) ..إن النبىّ هو الأب الأعظم للمؤمنين ، هو الذي أحيا مواتهم ، وأخرجهم من الظلمات إلى النور ، فكان له بهذا سلطان مطلق على وجودهم الرّوحى ، الذي لا وجود لهم إلّا به .. يقول النبي الكريم: « والذي نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده ، والناس أجمعين » ..ويقول أيضا: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه » ..
وطبيعى أن النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ لا يبغى بهذا الحب الذي يؤثره به المؤمنون ـ لا يبغى به سلطانا على النفوس ، ولا تسلطا على الناس ، وإنما يبغى به توثيق إيمان المؤمنين باللّه ، وإخلاص ولائهم وحبهم للّه ، لأن من أحبّ اللّه أحبّ رسوله ..
وأزواج النبي ، هنّ من حرماته ، التي ينبغى أن يرعاها المؤمنون أكثر من رعايتهم لحرماتهم .. فهنّ أمهات لكل مؤمن ، ولهنّ ـ بهذا ـ من التوقير والاحترام ماللأم من التوقير والاحترام .. وكما لا يحل للابن أن يتزوج أمه ، كذلك لا يحلّ للمؤمن أن يتزوج امرأة تزوج بها النبىّ ، لأنها أمه.
وفي قوله تعالى: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ » ـ تأكيد لخصوصية النبي في هذا الحكم ، دون الناس جميعا .. فلا يصح أن يقاس عليه ملك ، أو أمير ، أو ذو سلطان دينىّ أو دنيوى ..