ومن أجل هذا ، فقد جاء قوله تعالى: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ »
ليقرّر أن الخصوصية التي للنبى ، لا تنقض ما بين ذوى القربى من صلات قام عليها نظام الحياة الاجتماعية ، وأقرها اللّه سبحانه وتعالى في كتابه ـ أم الكتاب ـ وفي الكتب المنزلة .. فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوادّ ، والتواصل ، والتوارث ..
ـ وفي قوله تعالى: « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ » .
.من هنا بيانية ، لأولى الأرحام ، أي وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه ..
أي أنه إذا قام بين المؤمنين ولاء الأخوة في دين اللّه ، وقام بين المهاجرين ولاء الإيمان باللّه ، والهجرة في سبيل اللّه ، فإنه يقوم بين ذوى الأرحام ولاء الرحم إلى جانب ولاء الإيمان والهجرة .. وبهذا يظل لذوى الأرحام من المؤمنين والمهاجرين ولاء الرحم ، فهم أحق بالتوارث فيما بينهم .. وعلى هذا فإن التوارث بين ذوى الأرحام على ما قرره القرآن قائم بينهم ، فيحجب ولاء الرحم ، ولاء الإيمان وولاء الهجرة ، إذا اجتمعا معه ..
وقوله تعالى: « إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا » إلا هنا للاستثناء ، وهو استثناء من عموم الأحوال ، التي دل عليها إطلاق الحكم ـ في قوله تعالى: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ » ، أي أن هذا الحكم مطلق في جميع الأحوال ، إلا في حال واحدة ، وهى الحال التي ترون فيها أن تفعلوا معروفا إلى ذويكم من المؤمنين والمهاجرين ، من غير ذوى الأرحام ، الذين لهم نصيب في الميراث .. ففى هذه الحالة لكم أن توصوا من ثلث ما لكم إلى من ترون الوصية له من المؤمنين والمهاجرين ..
وقوله تعالى: « كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا » .الإشارة « ذلك » إشارة إلى المعروف في قوله تعالى: « إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا » .. فهذا المعروف هو مما دعا اللّه إليه ، وحثّ المؤمنين عليه في غير آية من آيات الكتاب .." [1] "
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 651)