"بعد أن أبان سبحانه فيما سلف: أن الدعىّ ليس ابنا لمن تبناه ، فمحمد صلى اللّه عليه وسلم ليس أبا لزيد بن حارثة ، ثم أعقب ذلك بالإرشاد إلى أن المؤمن أخو المؤمن في الدين ، فلا مانع أن يقول إنسان لآخر: أنت أخى في الدين - أردف ذلك بيان أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليس أبا لواحد من أمته ، بل أبوته عامة ، وأزواجه أمهاتهم وأبوته أشرف من أبوة النسب لأن بها الحياة الحقيقية ، وهذه بها الحياة الفانية ، بل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فإذا حضهم على الجهاد ونحوه ، فذلك لارتقائهم الروحي ، فإذا كيف يستأذن الناس آباءهم وأمهاتهم حين أمرهم صلى اللّه عليه وسلم بغزوة تبوك ، وهو أشفق عليهم من الآباء ، بل من أنفسهم."
روى البخاري عن أبى هريرة قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فأيّما مؤمن ترك مالا ، فلترثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا (عيالا) فليأتنى ، فأنا مولاه » .
وفى الصحيح أن عمر رضى اللّه عنه قال: « يا رسول اللّه ، واللّه لأنت أحب إلىّ من كل شىء إلا من نفسى ، فقال صلى اللّه عليه وسلم: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ، فقال: يا رسول اللّه ، واللّه لأنت أحب إلىّ من كل شىء ، حتى من نفسى ، فقال صلى اللّه عليه وسلم: الآن يا عمر » .
أي النبي أشد ولاية ونصرة لهم من أنفسهم ، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم ، ولا ينهاهم إلا عما يضرهم ويؤذيهم في دنياهم وآخرتهم ، أما النفس فإنّها أمارة بالسوء ، وقد تجهل بعض المصالح ، وتخفى عليها بعض المنافع.
ومما يلزم هذا أن يكون حكمه نافذا فيهم ، مقدّما على ما يختارونه لأنفسهم ، كما قال: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » .
وخلاصة ذلك: إنه تعالى علم شفقة رسوله صلى اللّه عليه وسلم على أمته ، وشدة نصحه لهم ، فجعله أولى بهم من أنفسهم.