فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 332

فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا .. الأقوياء والضعفاء .. في جميع الأزمان والأوطان.

لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده ، في دعوتهم إلى الإسلام ، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية ، ومختتم رسالات السماء ـ اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء ، وأن يكون ما في الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل اللّه عليهم ، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا .. فإنه ما على المحسنين من سبيل." [1] "

"كان الناس قبل الإسلام قسمين: مادّى لا همّ له إلا الحظوظ الجثمانية كاليهود والمشركين ، وقسم تحكمت فيه تقاليده الروحانية الخالصة وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمية ، كالنصارى والصابئة وطوائف من وثنى الهنود أصحاب الرياضات."

فجاء الإسلام جامعا بين الحقّين حق الروح وحق الجسم ، وأعطى المسلم جميع الحقوق الإنسانية ، فالإنسان جسم وروح ، وإن شئت فقل: الإنسان حيوان وملك ، فكماله بإعطائه الحقين معا.

(لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي لتشهدوا على الماديين الذين فرّطوا في جنب اللّه ، وأخلدوا إلى اللذات: وحرموا أنفسهم من المزايا الروحية ، وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وتشهدوا على من غلا في الدين وتخلّى عن جميع اللذات الجثمانية وعذب جسمه ، وهضم حقوق نفسه ، وحرمها من جميع ما أعده اللّه لها في هذه الحياة ، فخرجوا بها عن جادة الاعتدال ، وجنى على روحه بجنايته على جسمه.

تشهدون على هؤلاء وهؤلاء وتكونون سباقين للأمم جميعا باعتدالكم وتوسطكم في جميع شئونكم ، وذلك هو منتهى الكمال الإنسانى الذي يعطى كل ذى حق حقه ، فيؤدى حقوق ربه ، وحقوق نفسه ، وحقوق جسمه ، وحقوق ذوى القربى وحقوق الناس جميعا.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت