(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) إذ هو المثل الأعلى لمرتبة الوسط ، فنحن إنما نستحق هذا الوصف إذا اتبعنا سيرته وشريعته ، وهو الذي يحكم على من اتبعها ، ومن حاد عنها وابتدع لنفسه تقاليد أخرى ، وانحرف عن الجادّة وحينئذ يكون الرسول بدينه وسيرته حجة عليه ، بأنه ليس من أمته التي وصفها اللّه في كتابه بقوله: « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين." [1] "
"إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهمفتفصل في أمرها ، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم .. وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها فيقرر لها موازينها وقيمها ويحكم على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة .."
وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها .. لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعدادا لائقا ..
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي ..
«أُمَّةً وَسَطًا» .. في التصور والاعتقاد .. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد ، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع ، بلا تفريط ولا إفراط ، في قصد وتناسق واعتدال.
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (2 / 6)