فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 332

وقالوا في أنفسهم: كيف يهتدى أحد إلى اللّه من هذا الطريق القريب ؟

إنّ اللّه بعبد بعيد ، متستر في حجب جلاله وبهائه ، فلا تناله الأبصار ، ولا تدركه العقول ، وإنه لا بد ـ والأمر كذلك ـ من دراسات وفلسفات ، وبحوث مضنية مرهقة ، حتى يمسك الدارسون ، والفلاسفة والباحثون بأذيال هذه الحقيقة الكبرى! هكذا زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا.

وقال تعالى أيضا مشيرا إلى أهل الكتاب وإلى إيمانهم: « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » (8: البقرة) إنه إيمان مشوب بالشك ، ومختلط بالضلال .. فلا يعدّ ، ولا يحسب في الإيمان الصحيح بحال أبدا.

وفى قوله تعالى: « مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » إشارة إلى أن قلّة قليلة من هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب قام إيمانهم على التسليم ،ولم يقم على الوساوس والهواجس ، والضرب في متاهات لا يهتدى السالك فيها إلى سواء السبيل أبدا .. أما الكثرة الكثيرة من أهل الكتاب فهم كما قال اللّه: « وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » أي هم مؤمنون ولكنهم في الوقت نفسه « فاسقون » أي خارجون على الإيمان." [1] "

"أي أنتم خير أمة في الوجود الآن ، لأنكم تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون إيمانا صادقا يظهر أثره في نفوسكم ، فيزعكم عن الشر ، ويصرفكم إلى الخير ، وغيركم من الأمم قد غلب عليهم الشر والفساد ، فلا يأمرون بمعروف ، ولا ينهون عن منكر ، ولا يؤمنون إيمانا صحيحا."

وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أوّلا ، وهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل ، فهم الذين كانوا أعداء ، فألف بين قلوبهم ، واعتصموا بحبل اللّه جميعا ، وكانوا يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخاف ضعيفهم قويّهم ، ولا يهاب صغيرهم كبيرهم ، وملك الإيمان قلوبهم ومشاعرهم ، فكانوا مسخرين لأغراضه في جميع أحوالهم.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 546)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت