الْقَرارُ » وقال في صفة القرآن « قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » ." [1] "
وعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيهَا النَّاسُ إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ." [2] "
"كيف يكون النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه رحمة للعالمين جميعا. الناس كلّهم أسودهم وأحمرهم ، وما بين أسودهم وأحمرهم ، وقليل من كثيرهم أولئك الذين آمنوا به واهتدوا بهديه ، وانتفعوا برسالته ؟ كيف هذا ، وقوله تعالى « لِلْعالَمِينَ » يفيد العموم والشمول ؟"
والجواب على هذا ـ واللّه أعلم ـ من وجوه:
أولا: أن الهدى الذي جاء به ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ هو خير ممدود للناس جميعا ، وهو رحمة غير محجوزة عن أحد ، بل إنها مبسوطة لكل إنسان ، أيّا كان لونه وجنسه .. وفى هذا يقول اللّه تعالى لنبيه الكريم: « قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. » (158: الأعراف) فهو صلوات اللّه وسلامه عليه رحمة مهداة ، يطرق بها باب كل إنسان ، من غير أن يطلب لذلك أجرا ، وليس على النبي ـ بعد هذا ـ أن يرغم المتأبّين عليه أن يقبلوا ما يقدمه هدية لهم .. إنه أشبه بالشمس ، وهى رحمة عامة لكل حىّ .. ولكنّ كثيرا من الأحياء يعشون عن ضوئها ، وكثير من الأحياء ، إذا آذنهم ضوؤها انجحروا وقضوا يومهم في ظلام دامس .. فآية النهار قائمة ، ولكنها بالنسبة لهم منسوخة غير عاملة.
وثانيا: أن الذين آمنوا بهذا النبىّ ، والذين يؤمنون به في كل جيل من أجيال الناس ، وفى كل أمة من الأمم ، وفى كل جماعة من الجماعات ، هم رحمة في هذه الدنيا على أهلها جميعا ، إذ كانوا ـ بما معهم من إيمان ـ عناصر خير ، وخمائر رحمة ، ومصابيح هدى .. وبهم تنكسر ضراوة الشر ، وتخفّ وطأة الظلم ، وترقّ كثافة الظلام.
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (17 / 78)
(2) - مصنف ابن أبي شيبة - (11 / 504) (32442) صحيح مرسل