وثالثا: هذا الكتاب الذي تلقّاه النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ وحيا من ربّه ، وهذه الآيات المضيئة التي نطق بها ، والتي وعتها الآذان ، وسلجتها الصحف .. كل هذا رحمة قائمة في الناس جميعا ، وميراث من النور والهدى ، يستهدى به الناس ، ويصيبون منه ما يسع جهدهم ، وما تطول أيديهم من خير ..
وعلى هذا ، فالمراد بالعالمين ، الناس جميعا ، منذ مبعث النبىّ صلى الله عليه وسلم ، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « أَرْسَلْناكَ » الذي يفهم منه أن الرحمة كانت منذ إرساله ومبعثه ، صلوات اللّه وسلامه عليه ..
قوله تعالى: « قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » . هذه هى الرحمة التي يؤذّن بها النبىّ في الناس ، ويقدمها هدية لهم .. « أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » .. هذا هو مفتاح الرحمة ، وذلك هو مفتاح الهدى .. فمن أمسك بقلبه هذا المفتاح ، ثم أداره ، فقد وضع يده على كنوز الخير كلها ..
وفى قوله تعالى: « فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » . . هو تحريض للناس جميعا على الاستجابة لهذه الدعوة الكريمة ، التي خفّف محملها ، وغلا ثمنها .. إنها كلمة واحدة: « لا إله إلا اللّه » فما أخفها على اللسان ، وما أطيب بردها على القلب ، وما أقوم سبيلها إلى العقل!! فهل يلتوى بها فم ؟ وهل يضيق بها صدر ؟
وهل يزورّ بها عقل ؟ إن ذلك لا يكون إلا عن آفات تغتال فطرة الإنسان ، وتفسد كيانه.
وانظر في قوله تعالى: « فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » ؟ لقد طلب منهم الإسلام أولا ، وهو الإقرار باللسان ، بهذه الكلمة السمحة السهلة .. ثم إنها بعد هذا كفيلة بأن تفعل فعلها في كيان الإنسان ، وتؤتى ثمراتها الطيبة المباركة كلّ حين .. إنها هى الكلمة الطيبة التي أشار إليها اللّه سبحانه وتعالى في قوله:
« أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها » (24 ، 25 إبراهيم) .