بالتبليغ ، وقد بلّغ الرسول فعلا ما أنزل إليه من ربّه ؟ ثم ما محصّل هذه العصمة ، وقد استقرّ أمر الإسلام ، وانطفأت جذوة أصحاب الشوكة والبغي! والجواب على هذا:
أولا: أن الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ إذ يتلقى هذا الخبر المسعد من اللّه ، يراجع خط سيره على طريق دعوته ، من أول يوم دعاه اللّه فيه بقوله:
« قُمْ فَأَنْذِرْ » إلى هذا اليوم الذي كادت الدعوة تنتهى فيه إلى غايتها ـ فيرى أنه كان في ضمان هذه الرعاية الكريمة من رب كريم ، وأن عناية اللّه لم تتخلّ عنه لحظة ، وأنه كان في عصمة من اللّه من أن تناله يد بسوء ، يقطع عليه طريق دعوته ، ويعجزه عن الوفاء بها .. فها هو ذا ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ قد بلّغ رسالة ربّه ، وجاهد في سبيلها ، حتى اجتمع الناس عليها ، ودخلوا في دين اللّه أفواجا .. وهذا كله من فضل اللّه عليه ، ورعايته له.
ففى هذه المراجعة يرى الرسول مكانته عند ربّه ، ومنزلته في المصطفين الأخيار من عباده .. فينشرح لذلك صدره ، وتنتعش روحه ، ويجد في هذا جزاء طيبا يستقبله من عند اللّه ، وهو يوشك أن يحطّ رحاله بعد هذه الرحلة الطويلة المضنية.
ثانيا: أن انكشاف عواقب الأمور قبل أن تقع ، يقطع على الإنسان طريقه إلى العمل والكفاح ، ويسلمه إلى استسلام أشبه باليأس ، انتظارا للمقدور الذي يسعى إليه ، كما ينتظر راكب القطار مجيئه في موعده المحدد.
إن في انتظار المجهول إيقاظا للمشاعر ، وحفزا للهمم ، وتشوّقا إلى ما تكشف عنه الأيام .. فمن يعمل لغاية لا يدرى ما عاقبة أمره فيها ، باذلا جهده في التمرس بالأسباب ، هو ممسك بوجوده كله ، ينتظر ثمرة عمله ، وغاية سعيه الموصلة لها ..
إنه إن بلغ الغاية حمد وسعد ، وإن لم يبلغها فقد أعذر لنفسه ، ورضى عن مسعاه ، وإن لم يحصّل منه ما يريد ..
فكيف بالرسول ، وقد حمل الرسالة ، وواجه بها النّاس جميعا ، متحدّيا عقائد فاسدة ، ومتصديا لقلوب مريضة ، وعقول مظلمة ، وطبائع صلدة متحجرة ؟ كيف به وقد بلغ