فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 332

أي ولو أن أولئك القوم حين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت - جاءوك فاستغفروا اللّه من ذنبهم وندموا على ما فرط منهم وتابوا توبة نصوحا ودعا لهم الرسول بالمغفرة ، لتقبل اللّه توبتهم وغمرهم بإحسانه ، فرحمته وسعت كل شىء.

وإنما قرن استغفار الرسول باستغفار اللّه ، لأن ذنبهم لم يكن ظلما لأنفسهم فحسب بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنهم أعرضوا عن حكمه وهو صاحب الحق في الحكم وحده ، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما فرط منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم ، لأنهم اعتدوا على حقه ، وليدعو لهم بالمغفرة ، إذ أعرضوا عن حكمه.

وفى الآية إيماء إلى أن التوبة الصحيحة تقبل حتما إذا استكملت شرائطها ، ومنها أن تكون عقب الذنب مباشرة ، وقد سمى اللّه ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس ، أي إفسادا لها ، لأن الرسول هو الهادي إلى مصالح الناس في الدنيا والأخرى ، وهذا الظلم شامل للاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.

والاستغفار لا يكون مقبولا إلا إذا ناجى العبد ربه عازما على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص للّه في ذلك - أما الاستغفار باللسان عقب الذنب دون أن يوجد هذا التوجه بالقلب فلا يكون استغفارا معتدّا به عند اللّه ، إذ لا بد أن يشعر القلب أوّلا بألم المعصية وسوء مغبتها ، وبالحاجة إلى التزكى من دنسها ، مع العزم القوىّ على اجتناب هذا الدنس ، ومتى أخلص الداعي أجاب اللّه دعاءه بإعطائه ما طلب أو بغيره من الأجر والثواب." [1] "

"وهذه حقيقة لها وزنها .. إن الرسول ليس مجرد «واعظ» يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول «الدين» ."

إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ، وأخلاقها وآدابها.وعباداتها وشعائرها كذلك.

(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (5 / 79)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت