وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ ..
واللّه أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين. منهج اللّه الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله اللّه ، ليطاع ، بإذن اللّه. فتكون طاعته طاعة للّه .. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر التعبدية .. فهذا وهم في فهم الدين لا يستقيم مع حكمة اللّه من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة .. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون ، ويبتذلها المبتذلون!!!
ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان .. كان دعوة وبلاغا. ونظاما وحكما. وخلاقة بعد ذلك عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة اللّه من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام. أو يقال لها: الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها .. استسلام لمنهج اللّه ، وتحقيق لمنهج رسول اللّه. وتحاكم إلى شريعة اللّه. وطاعة للرسول فيما بلغ عن اللّه ، وإفراد للّه - سبحانه - بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا اللّه) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا للّه ، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا قليل. والرجوع إلى اللّه والرسول ، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة ، والأحوال الطارئة حين تختلف فيه العقول ..وأمام الذين «ظلموا أنفسهم» بميلهم عن هذا المنهج ، الفرصة التي دعا اللّه المنافقين إليها على عهد رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم - ورغبهم فيها ..
«وَلَوْ أَنَّهُمْ - إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - جاؤُكَ ، فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا» ..واللّه تواب في كل وقت على من يتوب. واللّه رحيم في كل وقت على من يؤوب. وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته. ويعد العائدين إليه ،