والإسلام حريص أشدّ الحرص على سلامة نفوس المجاهدين ، وتصفيتها من أية شائبة تعلّق بها في هذا الموطن ، الذي ينبغى أن يكون المسلم فيه ، على ولاء مطلق للقضية التي يقاتل في سبيلها ، ويستشهد راضيا قرير العين من أجلها ، الأمر الذي لا يتحقق إذا تسرب إلى النفوس شىء من دخان الضيق أو الشك.
ولهذا ، فإن من تدبير الحكيم العليم في هذا ، أنه بعد أن شدّ المؤمنين إلى الإيمان الذي وصلهم باللّه ، وأقامهم على الجهاد في سبيله ـ ذكّرهم بما يمدّهم به من أمداد عونه ونصره ، وهم في مواجهة العدوّ ، وفى ملتحم القتال معه ، وأنّهم إنما ينتصرون على أعدائهم بتلك الأمداد التي يمدّهم اللّه بها .. فإن نسوا هذا فليذكروا ما أنزل اللّه على عبده « يَوْمَ الْفُرْقانِ » أي يوم بدر ، حيث كان يوما فارقا بين الحق والباطل .. بين الإيمان والكفر .. « يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ » جمع المسلمين ، وجمع الكافرين .. فقد شهد المسلمون في هذا اليوم كيف كانت أمداد السّماء تتنزل عليهم ، وكيف كانت آثار هذه الأمداد في عدوّهم ، وفى دحره وهزيمته .. « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » لا يعجزه شىء ، فإن بيده ـ سبحانه وتعالى ـ مقاليد كل شىء: يعزّ من يشاء ويذل من يشاء ، وينصر من يشاء ، ويهزم من يشاء: « وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » .. فالذى أنزله اللّه على عبده يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان ، هو هذا المدد السماوي من الملائكة .. وإيمان المسلمين بهذا المدد: هو التصديق بنزول الملائكة ومظاهرتهم لهم في هذا اليوم. ، فهذا خبر جاء به القرآن يجب على كل مؤمن أن يؤمن به!" [1] "
"مع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح وتبين منها أنه جهاد للّه ، وفي سبيل أهداف تخص دعوة اللّه ودينه ومنهجه للحياة .. ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل ، فردت إلى اللّه والرسول ، وجرّد منها المجاهدون لتخلص نيتهم وحركتهم للّه .. مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له. فهناك غنائم وهناك محاربون. وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم: هم يتطوعون للجهاد ، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 614)