والله عزَّ وجلَّ سميع لاستعاذة عبده، عليم بما يستعيذ منه، مرة يقرن السمع بالعلم، ومرة يقرنه بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك.
فالاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه جاءت بلفظ السميع العليم كما قال سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200 ) ) [الأعراف: 200] .
والاستعاذة من شر الإنس الذين يرون بالأبصار جاء بلفظ السميع البصير كما قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(56 ) ) [غافر: 56] .
وذلك لينبسط المستعيذ، وليعلم أن الله سميع لاستعاذته، مجيب له، عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره، فيقبل الداعي على الدعاء.
وقد اشتملت الإضافات الثلاث في قوله سبحانه: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3 ) ) على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسماء الله الحسنى.
فالإضافة الأولى: (بِرَبِّ النَّاسِ) إضافة الربوبية المتضمنة لخلق العباد وتدبيرهم، وتربيتهم وإصلاحهم، وجلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، وحفظهم مما يفسدهم.
والإضافة الثانية: (مَلِكِ النَّاسِ) إضافة الملك، فهو الملك المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه، وهو المدبر لهم كما يشاء، النافذ القدرة فيهم، الذي له السلطان التام عليهم، فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، فليس لهم ملك غيره يلجؤون إليه إذا دهمهم العدو، ويستنصرونه