أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه، والصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة.
وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس إلى مجلس طاعة لله إن أمكنه، فإن عجز عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين.
وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، مع الأرواح العلوية الزكية، ولا ينال هذا إلا بتوفيق الله وعونه.
وهو بحر لا ساحل له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان، والخيالات، والأماني الكاذبة، وتلك بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية.
والناس متفاوتون في ذلك، وكل بحسب حاله:
فمِن متمَنٍّ للقدرة والسلطان .. وللضرب في الأرض .. والتطواف في البلدان .. أو متمنٍّ للأموال والأثمان .. أو للنسوة والمردان .. أو للعب واللهو .. أو للشهوات واللذات.
وصاحب الهمة العالية، أمانيه تحوم حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويكون سببًا للفوز بالجنة.
فالقلوب جوالة منها ما يطوف حول العرش .. ومنها ما يطوف حول الحش.
والذي يتمنى الخير، ربما جعل الله أجره كأجر فاعله، كالقائل: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان الذي يتقى الله في ماله، ويصل فيه رحمه.
وكما تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون متمتعًا وقد قرن، فأعطاه الله ثواب القران بفعله، وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته، فجمع له بين الأجرين، والله غني