فأما قصر الأمل، فهو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة، وهو من أنفع الأمور للقلب.
فإنه يبعثه على تدارك الأيام، وانتهاز الفرص التي تمر مرَّ السحاب، ويثير عزمات القلب إلى دار البقاء والخلود، ويزهده في الدنيا، ويرغبه في الآخرة كما قال سبحانه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35 ) ) [الأحقاف: 35] .
وأما تدبر القرآن، فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(29 ) ) ... [ص: 29] .
فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وجمع الفكر فيه على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر، وتدله على مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صور الدنيا والآخرة، والجنة والنار.
وتحضره بين الأمم السابقة، وتريه أيام الله فيهم، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يحبه الله وما يبغضه.
وتريه طريق أهل الجنة، وأهل النار، ومراتب أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وتطلعه على تفاصيل الأمر والنهي، والشرع والقدر، والحلال والحرام، والترغيب والترهيب، والمواعظ والصبر وغيرها.
وأما مفسدات القلب فكثرة الخلطة. والتمني .. والتعلق بغير الله .. وكثرة الشبع وكثرة النوم .. فهذه الخمسة أكبر مفسدات القلب.