فإذا استمر على حاله، واقفًا بباب مولاه، لا يلتفت عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أنه لم يصل بعد، رجا أن يفتح له فتح آخر، هو فوق ما كان فيه.
فيستغرق قلبه في أنوار مشاهدة جلال الله، بعد ظهور أنوار الوجود الحق، ويبقى قلبه سابحًا في بحر من أنوار آثار الجلال والجمال لربه، فتنبع الأنوار من باطنه، كما ينبع الماء من العين، ويجد قلبه عاليًا صاعدًا إلى من ليس فوقه شيء.
ثم يرقيه الله تبارك وتعالى فيشهد قلبه أنوار الإكرام، بعد ما شهد أنوار الجلال والعظمة لمولاه.
فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال والإكرام، والإنعام والإحسان، فيذوق المحبة الخاصة، الملهبة للأرواح والقلوب، الباعثة لحسن العبادة، ولذة المناجاة.
فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه العزيز الكريم، ووليه الغفور الرحيم، ممتحنًا بحبه، مستسلمًا لطاعته، متلذذًا بعبادته، مستغرقًا في جلاله وجماله، وهذا غاية مراد الرب من عبده: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(4 ) ) ... [الجمعة: 4] .
والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى، من الأموال والأشياء، والصور والرئاسة، معذبون بذلك قبل حصوله، وحال حصوله، وبعد حصوله.
وأشرفهم منزلة، وأعلاهم مرتبة، من يكون مفتونًا بالحور العين، أو عاملًا على تمتعه في الجنة، بالأكل والشرب والجماع واللباس.
وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على غيره، ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق، لعلو درجته عند ربه،