الصفحة 36 من 41

ثم تأمل قول الإمام أبي بكر بن العربي في تفسيره لنفس الآية وقارن بين لغة العزة التي يتكلم بها أئمتنا ولغة المهزومين روحيا [1] من أهل زماننا، قال رحمه الله:"فإذا كان المسلمون على عزة، وفي قوة ومنعة، ومقانب عديدة، وعدة شديدة، فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا، وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به، أو ضر يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه".

أما ما ورد في سورة النساء إنما هو سلم الكافرين وكف أيديهم عن المسلمين، فالسلم المطلوب في الإسلام هو سلم الكافرين بدخولهم في دين الله أو استسلامهم بالدخول في حكمه ودفع الجزية عن يد وهم صاغرون. أمّا الهدنة فلم تشرع إلا لتجميع القوى وإعداد العدة للقتال. فعن أي سلم يتحدث، إذا كان الله لا يقر السلم لمن سالم من الكفار إذا لم يدن ويخضع لحكمه تعالى، ولأي سلم يدعو وأهل الكفر قد جاسوا خلال ديارنا وأهلكوا الحرث والنسل ولم يسلم منهم شيخ ولا رضيع ولا رطب ولا يابس؟ فأي خور هذا الذي عليه هؤلاء!

وليعلم هؤلاء أن هذا السلم الذي يدعون إليه من أعظم الضرر على ملل الكفر لأنهم إن سُولموا وتُركوا على ما هم عليه، ماتوا وماتت ذرياتهم على الكفر وخلّدوا في النار وكان لهم بذلك الخسران المبين، وقتالهم وقتل طواغيتهم وأئمتهم من أعظم منن الله عليهم وأظهر رحماته بهم، أن يرفع ما يحول بينهم وبين دين الله وما يصدهم عن الصراط المستقيم من الشبهات والشهوات والترهيب والترغيب في غير دين الله. كما أن هؤلاء المشياخ من عقوبة الله للطواغيت في بلادنا ولو كان لهم مسكة من دين أو عقل لبادروا بالفتك بمشايخ الإرجاء الذين يقرونهم على باطلهم ويصدونهم عن سواء السبيل، والله غالب على أمره.

(1) كما يسميهم سيد قطب رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت