الصفحة 13 من 41

يقال له أيضا أن ما ذكره عن اليهود من نسبة تبديل حكم الرجم إلى الله في سورة المائدة لا تدل عليه الآيات، وبعض روايات أسباب النزول تخالفه صراحة! فإن كان بعض اليهود كذب في نسبته حكم جلد وتحميم الزاني إلى الله بادئ الأمر فإنهم أقروا بعد استحلاف رسول الله صلى الله عليه لهم، أنهم هم الذين وضعوا حكم الرجم [1] وفي رواية اعترفوا بالرجم ابتداء [2] بل وفي رواية أخرى أنكروا أن يكون هذا حكم الله [3] وأقروا أنهم اجتمعوا على وضع حكم الجلد والتحميم لاستخلاص الشرفاء من العقوبة، وفي رواية نسبوا إلى أحبارهم ورهبانهم إحداث تحميم الوجه والتجبية [4] ورغم هذا الإقرار فقد أنزل الله آيات المائدة في بيان كفرهم بهذا العمل ولم تفرق بين مبدل ومعطل (على تقسيم ولد الددو) مما يدل على أن مناط الكفر في هذه الآية هو تركهم لحكم الله وضعهم لهذا الحكم المخالف لشرعه سبحانه، سواء نسبوه لله أو نسبوه لأنفسهم، فالأمر سيان. ولو كانت هذه العلة معتبرة لفرقت الآيات بين اليهود الذين نسبوا هذا الحكم إلى الله وبين الذين أنكروا ذلك و لاتفقت الروايات على إيرادها، فكيف وبعضها يخالف هذا القول صراحة.

ويقال له أيضا أنه صح في آيات سورة المائدة سبب نزول آخر وهو ما رواه الإمام أحمد [5] وغيره عن ابن عباس أن اليهود اصطلحوا على أن يكون لقتيل بني قريضة نصف دية قتيل بني النضير فأنزل الله فيهما هذه الآيات. وقد جمع ابن كثير رحمه الله بين هذين السببين وقرر أن هذه الآيات نزلت في ذلك كله وأقره الشيخ أحمد شاكر. والشاهد هنا أن اليهود لم ينسبوا حكمهم هذا إلى الله تعالى إنما هو شيء اصطلحوا عليه في الجاهلية، بل إنه من الممتنع أن ينسب يهود الجزيرة هذا الحكم إلى الوحي لأنه سابق لوجودهم، فدل ذلك أيضا على أن مناط كفرهم وتقريعهم من الله سبحانه هو تلك الأحكام التي وضعوها وحكموا بها في دماء العباد وأعراضهم وأموالهم سواء نسبوها إلى الله كذبا وزورا أو جاؤوا بها من عند أنفسهم أو

(1) انظر في صحيح مسلم كتاب الحدود (1700) وفيه عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قال: لا ... إلى قوله، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. وعند البخاري من حديث ابن عمر قالوا يا محمد إن عليهما الرجم، ولكنَّا نتكاتمه بيننا (7104) .

(2) كما في رواية أبي داوود عن البراء قال: فنشده النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما حدُّ الزاني في كتابكم؟ فقال: الرجم. ولكن ظهر الزنا في أشرافنا فكرهنا أن يترك الشريف ويقام على من دونه فوضعنا هذا عنا. (4447) وفي رواية جابر قالوا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل (4452) . وعند الطبراني عن ابن عباس قالوا: إن الله أنزل على موسى في الزاني الرجم وأنا كنا قوما شببة وكانت نساؤنا حسنة وجوهها وأن ذلك كثر فينا فلم نقم له فصرنا نجلد. (11/ 322) .

(3) كما في رواية أبي داوود عن البراء قال فدعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من علمائهم قال له: نشدتك باللّه الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟"فقال: اللهم لا (4448) . وكل هذه الروايات في صحيح سنن أبي داود."

(4) كما في رواية البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (ما تجدون في كتابكم) . قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية. (6433)

(5) برقم (2212) وهو أيضا عند أبي داوود والنسائي وقد صححه الشيخ أحمد الشاكر والشيخ الأرناووط وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (2552)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت