تابعوا فيها من سبقهم، فكل ذلك كفر وظلم وفسق. واليهود قد كفروا بوضع حكم واحد فكيف بمن لا يحصى له كم بدل من أحكام!
ومما يبطل هذا التفريق أيضا قوله تعالى في من تابع تحليل الميتة {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} فالمشركون الذين جادلوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبوا استحلاهم للميتة إلى الله سبحانه ورغم هذا سمى الله متابعتهم في هذا التحليل شركا فكيف بالتحليل نفسه يا ولد الددو! وهذه هي الصورة الرابعة التي لا تدخل في القسمة الثنائية التي أحدثها ولد الددو، وهي صورة أخذ الأحكام المضادة لشرع الله عن الغير، وهي الأكثر انتشارا في واقعنا. وقد تعرض ولد الددو لهذه الآية وأطال الحديث عن عودة الضمير في قوله تعالى {وإن أطعتموهم} على شياطين الإنس أو الجن، مشككا في دلالتها على شرك الطاعة في التحليل والتحريم مع أنه لم يذكر على ذلك بينة إلا ذاك الكلام الطويل الذي لا علاقة له بما نحن فيه من بيان حكم الكفر!!! فهل يظن أن جميع من يقرأ أو يسمع في جهل وغباء الصحفي الذي أمامه؟! وماذا يفعل بقوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} وغيرها من الآيات في هذا المعنى؟
وأصرح من هذا في إبطال هذا التقسيم قوله تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر} والنسيء كما لا يخفى على ولد الددو هو تلاعب أهل الجاهلية بالأشهر الحرم بتأخيرهم المحرم وتقديم صفر، وقد كانوا ينسبونه لأنفسهم مع محافظتهم على عدة الأربعة أشهر {ليواطؤوا عدة ما حرم الله} . يقول القرطبي رحمه الله:"كانوا يحرمون القتال في المحرم فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا بدله وقاتلوا في المحرم. وسبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن. فكانوا إذا صدروا عن منى يقوم من بني كنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس، فيقول أنا الذي لا يرد لي قضاء. فيقولون: أنسئنا شهرا، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم. فكانوا كذلك شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه. وهذا معنى قوله عليه السلام:"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض". ثم قال بعد ذلك:"قوله تعالى {زيادة في الكفر} بيان لما فعلته العرب من جمعها من أنواع الكفر فإنها أنكرت وجود البارئ تعالى فقالت: {وما الرحمن} في أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت: {من يحيي العظام وهي رميم} . وأنكرت بعثة الرسل فقالوا: {أبشرا منا واحدا نتبعه} . وزعمت أن التحليل والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت ما حرم الله. ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون." [1] وهذا عين ما يفعله مشركو زماننا الذين يجادل عنهم ولد الددو!"
وقد خصصت النقل عن القرطبي -وهو ينقل عن ابن العربي- لأن لهما كلاما قد يوهم هذا التقسيم الذي ذهب إليه ولد الددو فسبقت ببيان بطلان ما ذهب إليه من كلام القرطبي نفسه وأنه إن كان يعتبر كفر من ينسب إلى الله ما لم يحل أو يحرم، فإنه لا يحصر الكفر في هذا خلافا لولد الددو، بل يقرر أيضا
(1) تفسير القرطبي 8/ 139