ومن كلامه في باب الأسماء والأحكام زعمه أن"التكفير حكم قضائي لا يصلح لكل أحد إصداره"، لتعطيل تنزيله على مستحقيه، وهذا الكلام بهذا الإطلاق فاسد، ظاهر البطلان، فالتكفير حكم شرعي وقد يتنزل على أعيان مختلفين تتفاوت درجاتهم في الكفر والطغيان:
-فمنهم المنصوص عليهم كإبليس وفرعون وأبي لهب وحسبك بهؤلاء لإبطال إطلاقه وبيان أنه لا يضبط أقواله.
-ومنهم الطواغيت وأئمة الكفر الذين تجاوزوا الحد فيه، كمن ادعى الربوبية أو الألوهية أو النبوة وغيرهم من الطواغيت الذين علق الله سبحانه الإسلام على الكفر بهم وفرض على كل مسلم البراءة منهم وتكفيرهم قبل الإيمان به سبحانه، ودليل ذلك قوله تعالى {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} وهذا خطاب عام لم يأت ما يخصصه. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"ومعنى الكفر بالطاغوت أن تبرأ من كل ما يُعتقد فيه غير الله من جني أو أنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك وتشهد عليه بالكفر والضلال وتبغضه ولو كان أباك أو أخاك. فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله وأنا لا أتعرض إلى السادة والقباب على القبور وأمثال ذلك فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله ولم يؤمن بالله ولم يكفر بالطاغوت". [1]
-ومنهم من ارتد بكفر مغلظ كالسب الصريح للدين والرب والنبيين، ومن أدلة تكفيرهم ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما"أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلها، فأهدر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دمها" [2] . وهؤلاء يكفرهم العوام عندنا مع طموس أكثر معالم الإسلام في بلادنا المنكوبة تونس. قال الإمام محمد بن سحنون في ما نقله عنه القاضي عياض وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله:"أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر". فبقي العمل جار عند الخاصة والعامة على تكفير هؤلاء، حتى جاء جهمية الزمان لصد الناس عن أصول دينهم وتوحيدهم.
-ومنهم أهل الملل الأخرى ومن ارتد إلى دينهم [3] . ودليل تكفيرهم قوله تعالى في قصار السور التي يقرأها العامة والخاصة {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها} ، ومن شك في كفر هؤلاء أو توقف فيه كفر جهارا.
(1) الدررالسنية 2/ 121 ويغني عنه ما جاء في رسالته في معنى الطاغوت من مجموعة التوحيد وكلامه وكلام أبنائه وأتباعه في هذا كثير يصعب حصره.
(2) حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وقال الحافظ في البلوغ رجاله ثقات. وهو يرد على من يشترط الإمام لإقامة الحدود مع وجوده فكيف بغيابه!
(3) كما يقع في الجزائر بترخيص من ولاة أمر ولد الددو.