لن أنسى قبل أن انتقل إلى آخر مقاله أن أذكر بمسألة أخرى من مسائل الإجماع يكتمها جهمية العصر ولا يوردونها في كتبهم وفتاويهم الحائرة، وهي مسألة قتال الطوائف الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام القطعية المتواترة مع شهرة فتوى شيخ الإسلام فيها عند الموحدين. فإن كان يعرف ما ينقله الذهبي عن شيخ الإسلام في السير، فكيف تخفى عليه فتوى شيخ الإسلام نفسه في التتار مع أنها أشهر فتاويه في زماننا والإجماع المذكور فيها أقوى ما يستدل به إخوننا على قتال هؤلاء وأعوانهم بقطع النظر عن كفرهم وردتهم المكشوفة؟! فحتى على قول ولد الددو في عدم تكفير من عطل الشريعة فهذا لا يغير الحكم في وجوب قتالهم شيئا حتى يكون الدين كله لله ويتم العمل بشرع الله غير منقوص، فإن كانت خفيت عليه -ولا أظن ذلك- فإني أنقلها له كاملة:
قال رحمه الله:"فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مُقرّة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء."
وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السُنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة عند من لا يقول بِوجوبها ونحو ذلك من الشعائر. هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البُغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام مُعين أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه" [1] ."
وهذا الإجماع لم يتفرد بنقله شيخ الإسلام ابن تيمية، كما يظن البعض، بل نقله أيضا الإمام أبو بكر بن العربي الذي يعتمد ولد الددو على بعض كلامه في التفريق بين التبديل والتعطيل حيث قال تحت قوله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} :"الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد، وقد تكون بالمعصية، فيجازى بمثلها، وقد قال تعالى: {فإن لم تنتهوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ، فإن قيل ذلك في من يستحل الربا، قلنا نعم وفي من فعله، فقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا وعلى ترك الجمعة والجماعة"اهـ. فهذه المسألة عند الأئمة لا علاقة لها
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه 28/ 503 , 504. وقد نقل رحمه الله بعد ذلك بصفحات الخلاف في كفر الخوارج في نفس المجلد ص 518.