هذا أهم ما يمكن التعليق عليه من كلامه، وثمة مسائل أخرى هي فروع لهذه الأصول التي انحرف فيها واستعرض فيها بضاعته المزجاة، لا داعي للخوض في تصحيحها مادام العود أعوج. فعليه وعلى من كان معه مراجعة حساباتهم قبل الندم، فأخطاءهم في أصول الدين وأركان التوحيد ظاهرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد."فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فسادا بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلا لا ينقلهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم". [1] فكيف يكون حال من ناصرهم وزين باطلهم ووصفهم بالعدل ودعا إلى تحكيم قوانينهم والمشاركة في وضعها وناصب العداء للموحدين والمجاهدين وخذل عنهم وسخر علمه للصد عن دعوتهم وصرف الناس عنها، كيف يكون حاله يا ترى؟!
ثم يقال لولد الددو ولمن يجادل معه: بدل أن تكلفوا أنفسكم وتهدروا طاقاتكم في نقاش إخواننا، لم لا تدعون السلطة الموريتانية التي لديها بزعمكم"تفهم وتعقل ودراسة"لتحكيم شرع الله وينتهي الخلاف من أصله؟! وبما أن لكم هذه القدرة على أن تنزّلوا الحكومات على رغباتكم في الحوار وتفرضوا عليها خططكم في سيره، لماذا لا تحملونها على أن تتنازل وتسمح بإقامة نظام قضائي شرعي يرجع إليه المسلمون عند التنازع كما كان يوجد في زمن التتار، وهذا أهون الشرك؟! أم أن هذا"التفهم والتعقل والدراسة"وقفوا عند الحكم بشرع الله؟! وهذا حوار بطوله وعرضه ليس فيه أدنى دعوة أو حتى إشارة إلى تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه من دساتير وقوانين مع اعترافكم بالقرب من أربابها وإتيانكم أبواب سلاطينها، فعلى أي دين أنتم وإلى أي رب ترجعون وإلى أي شريعة تحتكمون وأي علم تحملون وفيم تعادون وتوالون؟ هذه القوانين الجاهلية المضروبة على المسلمين لم تحرك فيكم ساكنا إنما غاظكم الجهاد لإقامة شرع الله فنفرتم خفافا وثقالا وسحتم في البلاد شرقا وغربا لصد الناس عنه! سميتم دين الله فِكرا، وأتباعه خوارجا، وجعلتم إعداد العدة لإقامته جريمة، فبأي وجه تلقون ربكم وماذا أعددتم ليوم ينصر فيه أولياءه ويحطم فيه الطاغوت وحزبه في جهنم؟ بل ماذا أعددتم ليوم تقوم فيه الخلافة وتطير رؤوس الطواغيت وأذنابهم! إنكم ترون هذا اليوم بعيدا ونراه بإذن الله قريبا، وأخشى أن تقولوا يومها ألم نكن معكم، أو تقولوا ذرونا نتبعكم، هذا إذا أمهلكم الله ولم يختم لكم مفتونين بإتيانكم أبواب السلاطين وجدالكم عنهم بالتدليس والتلبيس المكشوف، فلا تغتروا بحلم الله فإنه يمهل ولا يهمل، وعقوبته أشد لمن آتاه آياته فانسلخ منها وكان من الغاوين.
والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلا.
أبو عبد الله التونسي
صفر 1432
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله الشخصية ص 188.