نأتي الآن إلى حديثه عن الولاء والبراء وقد بلغ فيه من التدليس والتلبيس ما يثير الغثيان. فقد أطال الكلام في طرح مسائل هي خارج محل النزاع، وهي مسائل الموالاة التي يعدها العلماء من المعاصي التي دون الكفر وأطال في بسط أمثلتها وأدلتها من القرآن ولما تعرض إلى المسألة التي هي محل البحث وهي قضية مظاهرة المشركين ونصرتهم، ترك النصوص والإجماع حول دلالتها وعدل إلى الأقيسة والاستشهاد بالأمثلة! رغم أنه قرر قبل ذلك بأسطر أن مسائل الإيمان والكفر توقيفية وأن المرجع فيها إلى النصوص! وهو قطعا يعرف هذه النصوص ويعرف أقوال أهل العلم في هذه القضية ويعرف الإجماع حولها لهذا عدل عنها إلى القياس الفاسد كما سيأتي بيانه، فماذا نسمي هذا؟
أما النصوص القرآنية الدالة على أن مظاهرة الكافرين على المسلمين كفر وردة عن الإسلام فهو كما قال الشيخ حمد بن عتيق"ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده" [1] فمن ذلك قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} وقوله سبحانه {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} وقوله أيضا: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنّبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} وقوله {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} إلى قوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله يقوم يحبهم ويحبونه} الآيات وغير ذلك من الأدلة الصريحة في المسألة لهذا قال ابن حزم في المحلى:"صح أن قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" [2] . وبين يديّ ما يزيد عن السبعين نقلا عن علماء المسلمين على مختلف مذاهبهم في تقرير هذا، فهل يجد له سلفا واحدا في قوله أن الكفر لا يكون إلا بنصرة دينهم عدى قول من لا يعتد بخلافهم من جهمية العصر؟
ثم يقال له أن نصرة الكفار لا تنفك عن نصرة دينهم، والمثال الذي ضربه جدلا خير دليل على ذلك وهو مثال قبيلتين مسلمة وكافرة، اختلفتا على أرض بينهما فنصرت قبيلة مسلمة القبيلة الكافرة على المسلمة الأخرى، فقد قرر أن هذه الإعانة ليست كفرا لأنها ليست على الدين بل على الأرض وزعم أن من ناقشهم وافقوه على قوله هذا، مع ظهور فساده وعواره، لأن الأرض التي يستحوذ عليها الكفار تصير دار كفر عند جمهور العلماء ويُجري عليها الكفار أحكامهم الكفرية وينشرون عليها شركهم ويفتنون من عليها من المسلمين بل ويفتنون الكفار أيضا بصدهم عن سبيل الهدى فعاد الخلاف إلى الدين. فهل غفل كل طلبة العلم الذين يزعم أنه ناقشهم عن هذا أم أنها دعاوى مخابراتية؟!
(1) مجموعة التوحيد 363.
(2) المحلى 11/ 138