والأدهى والأمر في المسألة أنه يتجاهل ما استفاض العلم به من أن نصارى اليوم يقاتلون على دينهم، وقد أعلن كبيرهم أنها حرب صليبية وهم يصرحون أنهم يقاتلون لنشر دينهم الثاني ودين أسياد ولد الددو، دين الديمقراطية، ويقاتلون لتعطيل أحكام الإسلام لإباحة السفور ونشر المنكرات كما وقع فعلا لما اسقطوا حكم الطالبان، فإعانتهم على ذلك إعانة على دينهم وعلى هدم أحكام الإسلام فيكون من أعانهم بذلك كافرا حتى على مذهب ولد الددو الفاسد الذي لا يثبت الكفر إلى في الإعانة على الدين. وهذا القول الخبيث هو ما سنناقشه في ما يأتي وإن كان نقاشه لا يغير شيئا في حكم من أعان الأمريكان وحربهم الصليبية إنما هو من باب إحقاق الحق في المسألة وباب زيادة كفر هؤلاء الطواغيت وليستبين سبيل المجرمين ومن جادل عنهم.
قول ولد الددو أن الإعانة المكفرة هي إعانة الكفار على دينهم قول غير منضبط لأن إي إعانة على الدنيا لا بد أن تجر منفعة لدين الكفار بتقوية شوكتهم ونشر دينهم وتوطيد حكمهم وفي المقابل فيها إضعاف لقوة المسلمين وتوهين شوكتهم ومظنة ذهاب حكمهم وهذا بديهي لا يحتاج إلى توضيح. وقد تنبه بعضهم لهذا فازداد غلوّا وزعم أن المكفر في نصرة الكفار هو نصرتهم حبا أو رضا بدينهم مع أن كل من هذين الفعلين كفر مجرد بلا خلاف بيننا وبين أهل الإرجاء والتجهم، وإن لم يصاحبه نصرة وتباعدت الأبدان. وهذا كما قال الشيخ سليمان العلوان"مناط آخر في الكفر ولو ادعى المظاهر محبة الدين وبغض الكافرين، فإن كثيرًا من الكفار لم يتركوا الحق بغضًا له ولا كراهية للدين إنما لهم طمع دنيوي ورغبة في الرياسات فآثروا ذلك على الدين قال تعالى {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} "أهـ. بل إن الله سبحانه لما نهى عن توليهم أعقب ذلك بذم من يسارع في ذلك خوفا من تفويت حظ من حظوظ الدنيا {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} وتصير الغلبة لغير المسلمين، ثم أعقب ذلك بقوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} الآية، فدلت الآيات على ردة من تولّى أهل الكفر خوفا من تضيع دنيا أو تفويت مصلحة وأن هذا التولي مرض في القلب، مضاد للإيمان بالله واليوم الآخر ومحبط للعمل. وفي مثل هذا يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في بيان كفر من أظهر موافقة المشركين وهي دون نصرتهم ومظاهرتهم:"أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال، أو مشحة بوطن، أو عيال، أو خوف مما يحدث في المآل. فإنه في هذه الحال يكون مرتدا، ولا تنفعه كراهته في الباطن، وهو ممن قال الله فيه: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل بالحق أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظا من حظوظ الدنيا، فآثروه على الدين. هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعفا عنه. وأما ما يعتقده كثيرا من الناس عذرا فإنه من تزيين الشيطان وتسويله، وذلك أن بعضهم إذا خوفه أولياء الشيطان خوفا لا حقيقة له، ظن أنه يجوز له بذلك إظهار الموافقة للمشركين، والانقياد لهم. وآخر منهم إذا زين له الشيطان طمعا دنيويا، تخيل أنه يجوز له موافقة المشركين لأجل ذلك، وشبه على الجهّال أنه مكره". قلت: فما أشبه حال جهّال اليوم بجهّال الأمس.
ومثل هذا من كلام الأئمة كثير اختص منه ما أفتى به الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في نازلة تشبه ما نزل بديار المسلمين اليوم وهي إعانة البريطانيين والفرنسيين على احتلال أراضي المسلمين وهم حينها لم يرفعوا شعار الدين وكان احتلالهم لأجل نشر"مدنيتهم وحضارتهم"المزعومة فكتب رحمه الله في بيان حكم