إعانتهم:"أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون، قلّ أو كثر، فهو الردّة الجامحة، والكفر الصّراح، لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ، ثم استدرك أمره فتاب وأخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا من قلوبهم لله لا للسياسة ولا للناس. وأظنّني قد استطعت الإبانة عن حكم قتال الإنجليز وعن حكم التعاون معهم بأي لون من ألوان التعاون أو المعاملة، حتى يستطيع أن يفقهه كل مسلم يقرأ العربية، من أي طبقات الناس كان، وفي أي بقعة من الأرض يكون" [1] اهـ. قلت: وقد كانت هذه الأحكام معلومة عند عوام المسلمين، يقرأ العربية أو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، فانظر إلى ما آل إليه حال بعض خاصتهم!
ثم ننتقل إلى ما استدل به ولد الددو على هذا الفهم الشاذ الذي تفرد به مع بعض المعاصرين في تعاملهم مع هذا الناقض الذي سبق أن نقلنا الإجماع حوله. فقد ذكر"أن الولاء هو النصرة في الدين"واستشهد بقوله تعالى في سورة الأنفال {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} .
ولعمرك فإن هذا مما سمى الله من ترك المحكم وإتباع المتشابه لأن الآية في حكم ولاية طائفة الأعراب من عصاة المسلمين ممن ترك الهجرة فكيف يحملها على ولاية الكفّار! ثم إنه لم يخل كتاب من كتب التفسير من نقل خلاف المفسرين في معنى الأولياء في الآية فقد ذهب جمهور المفسرين أن الولاء هنا هو ولاء القرابة والتوارث وليس ولاء النصرة ونقلوا ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة والحسن والسدّي ومقاتل ونقله ابن أبي حاتم عن ابن عمر وزاد الشيخ ابن عاشور في تفسيره عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو حنيفة وأحمد أيضا وهو الذي رجحه البيضاوي وأبو حيان وأبو السعود والواحدي والآلوسي والزمخشري واختاره الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ولم ينقل ابن أبي حاتم والسيوطي إلا هذا القول. وهو الصحيح إن شاء الله لأنه كما قال غير واحد، لا يستقيم أن تكون الولاية المنفية هنا هي ولاية النصرة لأن الله سبحانه عطف عليها {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن تكون الولاية المنفية غير النّصرة. فإن كان هذا يخفى على صحفي جاهل أو مسجون يرزح تحت التعذيب فإنه لا يخفى على من يملك تفسير الجلالين، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
بل حتى على القول الثاني وأن الولاية هنا هي النصرة فإن هذه الآية لو تأملها وتدبرها ولم يضرب بها غيرها من الآيات حجة عليه ومبطلة لقوله هذا، لأن الله سبحانه وتعالى لماّ اختص هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا بنصرة الدين فقد دل هذا على أن ولاية غيرهم من المهاجرين والأنصار مطلقة ولا تختص بالدين فلا يصح أن يقول ولد الددو أن الولاء هو النصرة في الدين وهو قيد لا يُعرف لغة ولا شرعا فدونه المعاجم وكتب التفسير وغيرها يأتينا بسلف له في تعريف المولاة والتولي [2] بنصرة الدين [3] . ولو تأمل الآية التي بعدها
(1) كلمة حق ص 126
(2) على خلاف بين العلماء في ترادف معنى الموالاة والتولي وأنهما مراتب بين الكفر والفسوق أو أن التولي أخص من الموالاة وهو المظاهرة والنصرة المكفرة وليس هذا محل بحث المسألة لكنه من باب قطع الطريق على أهل الأهواء الذين يعمد بعضهم إلى حمل أقوال أهل العلم في الموالاة الغير مكفرة على التولي، بمعنى النصرة والمظاهرة، التي نقلنا الإجماع على كفر فاعلها. ومن ذلك مثلا قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (مجموع مؤلفات الشيخ 5/ 58) .
(3) الولاية كما جاء في المعاجم تأتي بمعنى القرب والمتابعة والمودة والنصرة والنسب ومنه العتق وكذلك السلطان وتولي الأمور وليست مقيدة بالدين ولا بغيره.