الصفحة 23 من 41

وهو قوله تعالى {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} لعلم أن الله سبحانه وتعالى أطلق تولي الكفار بعضهم لبعض كما أطلقها في تولي أهل النفاق والردة لهم في أكثر من آية ولم يقيدها بالدين ولا بالدنيا. فجاء هذا الرجل وحمل ما جاء مُقيّدا في نصرة بعض المسلمين على ما أُطلق في حق ولاء الكفار!

ويقال له أيضا أنه منازع أصلا في تخصيص النصرة بالدين بهذا المعنى ونفي ما سواها من النصرة [1] لما نقله ابن أبي حاتم عن السدّي قال {استنصروكم في الدين} ، يقول:"بأنهم مسلمون". وقال الطبري:"يعني بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين". قال أبو حيان:"خصّ الاستنصار بالدين لأنه بالحمية والعصبية في غير الدين منهى عنه"إهـ. فالآية دالة على نصرتهم لأنهم من أهل ديننا مطلقا مخلصين في ذلك لله وذكر الدين جاء للنهي عن القتال حمية وشجاعة وليس على ما تأوله بفهمه القاصر دون الرجوع إلى أهل الشأن، وإلا لزم منه أن نتركهم يُقتلون وتسبى نسائهم وذراريهم وتغنم خيراتهم وتغصب أرضهم إذا قاتلهم المشركون على صاع بر أو مد شعير! وهذا لا يرضاه حتى أهل الجاهلية!

ومما استدل به أيضا القياس. والقياس إن كانت حجّيته متنازع فيها مع غياب النص فكيف والمسألة فيها إجماع دليله إحدى وعشرون آية من كتاب الله [2] ! وكيف إذا كان قياسه منكوسا يسوي فيه بين المسلم والكافر {ما لكم كيف تحكمون} ؟! فالرجل يزعم أن مباشرة قتال المسلمين أعظم من إعانة الكافرين على قتال المسلمين وكلاهما معصية لا تبلغ الكفر ونسي مدرس الفقه وأصوله أن بعض قتال المسلمين يكون واجبا، فهل تكون نصرة الكافرين على المسلمين أشد وجوبا أيضا؟ وأعجب من ذلك أنه يزعم أن إخواننا الموحدين قد أقروا له وأذعنوا لهذا الاستدلال المنكر مع ظهور فساد المثال الذي ضربه والذي يؤدي إلى تمكين الكفار على أرض المسلمين وذهاب حكمهم، خلافا للنزاع بين المسلمين والذي إن كان في الغالب منهي عنه فهو لا يفضي إلى ما يفضي إليه من تحكّم الكافرين وتسلطهم وتعطيل أحكام الشريعة. ولست أشك بعد هذا الاستدلال أن إتيان سلاطين الديمقراطية وتتبع سنن الجهم بن صفوان يورثان مثل هذا الفساد في الفهم والتبلد في الذهن، ومن يهن الله فما له من مكرم.

ونقول في ختام هذه المسألة أن لهذا القول لوازم باطلة أيضا، منها أن من قاتل مع المشركين حتى ذهب المسلمون على آخرهم بل لو كان قائدا لهم في حربهم هذه، لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فعلى قول هؤلاء: لا يكفر ويرجى له الشفاعة ورجاء المغفرة وأنه قد يسبق من كفّره إلى الجنة لأنه كفره بغير

(1) وقد تفرد بهذا النفي -في حد علمي- الشيخ السعدي حيث قال في تفسيره"وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم"وهذا قول فيه نظر لما ذكرت من تلازم نصرة الدنيا ونصرة الدين ومخالفته لسلف المفسرين.

(2) على ما عد الشيخ سليمان بن عبد الله في رسالة الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك، وهي وحدها تكفي لرد شبهات ولد الددو ومن نحى نحوه في المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت