إليهم. . فيتعاظمه الامر , ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة , ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم"الدين"الحق!
وليس هذا هو الطريق. . إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعا - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق , وواجب صاحب الدعوة هو واجبة لا تغيره كثرة الضلال ; ولا ضخامة الباطل. . فالباطل ركام. . وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء. . كذلك ينبغي أن تستأنف. . وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين. قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) .
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) . .
روي أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش - رضي الله عنها - حينما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في الجماعة المسلمة ; فيرد الناس سواسية كأسنان المشط. لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وكان الموالي - وهم الرقيق المحرر - طبقة أدنى من طبقة السادة. ومن هؤلاء كان زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تبناه. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم , قريبته صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ; ليسقط تلك الفوارق الطبقية بنفسه , في أسرته. وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم تتخذ منه الجماعة المسلمة اسوة , وتسير البشرية كلها على هداه في هذا الطريق.
روى ابن كثير في التفسير قال: قال العوفي عن ابن عباس - رضي الله عنهما:قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) . الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة - رضي الله عنه - فدخل على زينب بنت جحش الأسدية - رضي الله عنها - فخطبها , فقالت: لست بناكحته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بلى فانكحيه". قالت: يا رسول الله. أؤامر في نفسي ? فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا) . . الآية. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا ? قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم"! قالت: إذن لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي!
وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة - رضي الله عنه - فاستنكفت منه , وقالت: أنا خير منه حسبا - وكانت امرأة فيها حدة - فأنزل الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة. . .) الآية كلها.