فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 145

القُدْوَةُ الحَسَنَةُ وأَثَرُها في بِناءِ الجِيلِ

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

فإن الأمة اليوم بأمس الحاجة إلى القدوة الحسنة ، الذين هم بناء الجيل ، وهداة الطريق ، ومنار السبيل.

ويمكن إجمال أهمية القدوة الحسنة في الأمور التالية:

1-إنَّ المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان والإعجاب، والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلع إلى مراتب الكمال، ويأخذ يحاول يعمل مثله حتى يحتلَّ درجة الكمال والاستقامة.

2-إنَّ القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال.

3-إنَّ الأتباع والمدعوين الذين يربيهم ويدعوهم الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية، فربَّ عمل يقوم به من المخالفات لا يلقي له بالًا يكون في نظرهم من الكبائر، لأنهم يعدونه قدوة لهم.

4-الفعل أبلغ من القول: إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، وفي هذا أمثلة كثيرة أذكر منها:

فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يُصَدِّقُ حَدِيثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ قَالاَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْهَدْىَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِى نُزُولِهِ أَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ فِى مَجِىءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا قَاضَاهُ عَلَيْهِ حِينَ صَدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: « قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا » . قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِىَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ هَدْيَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ لِبَعْضٍ حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. صحيح البخارى (2731 و2732 )

فدلَّ ذلك كله على أهمية القدوة، وعظيم مكانتها.

5-إن النبي - صلى الله عليه وسلم- قد حذر الدعاة من المخالفة لما يقولون، فبين - صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ ، تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ ؟ قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ، أَفَلاَ يَعْقِلُونَ.مسند أحمد (12540) حسن.

ولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه؛ بل يتعدى إلى كل من يدعوهم، فليحتاط الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله، وليُري الله - تعالى- من نفسه خيرًا.

6-إن جمله الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - من أولهم إلى آخرهم كانوا قدوة حسنة لأقوامهم، وهذا يدل على عِظم وأهمية القدوة الحسنة، ولهذا قال شعيب - عليه السلام - لقومه: (( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88) [هود/88] )).

7-إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته، وإلى مدى تطبيقهم لما يقول، وهذا يفيد ويبين أن الداعية كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يقوم أهل بيته وأسرته ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه، فعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: حدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ سَالِمًا ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَ بَيْتِهِ ، فَقَالَ: إنِّي نَهَيْت النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا ، وَإنَّ النَّاسَ لَيَنْظُرُونَ إلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إلَى اللَّحْمِ ، وَايْمُ اللهِ لاَ أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إلاَّ أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ضِعْفَيْنِ.مصنف ابن أبي شيبة (ج 11 / ص 125) (31285) هكذا ومصنف عبد الرزاق (20714) موصولا وهو صحيح.

فالقدوة الحسنة هو الذي يطابق قوله فعله ، وحاله مقاله ، ذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى أناس صادقين ، كما قال تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } [الأحزاب/23]

وتحتاج إلى رجال يقولون ويفعلون ، وقد ذمَّ الله تعالى من يقول ولا يفعل حيث قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف/2-3]

وقد اقتدى الناس بالأنبياء والمرسلين ، لأنهم كانوا صادقين مع الله ومع الناس ، وثبتوا حتى النهاية ، قال تعالى عنهم: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) } [الأنعام/83-90]

وأفضل هؤلاء بلا منازع سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى عنه: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب/21]

فهو قدوتنا في كل شيء ، من تمسك بغرزه نجا ، ومن تركه هلك .

فلا بد من القدوة في البيت، وفي الطريق، وفي العمل ، وفي جميع شئون الحياة، حتى تؤتي الدعوة أكلها ، وتينع ثمارها ، فالكلام إذا خرج من القلب دخل في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان .

وانظروا يا رعاكم الله إلى القدوة السيئة وأثرها في هلاك المجتمعات ، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) [هود/96-99]

وفي هذا الكتاب مجموعة طيبة من البحوث المقالات العلمية حول أهمية القدوة الحسنة وأثرها وشروطها ، ومجالاتها المنوعة ، جمعتها من مواقع شتى ، ولاسيما من موقع المختار الإسلامي ، وصيد الفوائد ، والإسلام اليوم ،والشبكة الإسلامية ، وغيرها ، وهي معزوة لمصادرها في بدايتها أو نهايتها، وتركتها كما هي .

سائلا المولى جلَّ وعلا أن تكون دافعًا لنا ، لأن نكون قدوة حسنة لغيرنا .

قال الشاعر:

يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى . كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم

فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما تقول ويهتدى ... بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وناشره وقارئه والدال عليه في الدارين .

جمعه وأعده

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 5 شوال 1429 هـ الموافق ل 5/10/2008م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت