فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 145

لبنى شرف / الأردن

حال المسلمين اليوم يشهد بأنهم أولى من غيرهم بالدعوة إلى الله وإلى الإسلام من جديد ، ذلك بأنهم ابتعدوا عن شرع الله ، وهجروا قرآنهم فأظلمت قلوبهم ، وفسدت حياتهم .

ومهمة الدعاة اليوم - كما يقول الإمام حسن البنا - هي توصيل التيار من المنبع الأصيل - وهو القرآن - إلى قلب كل مسلم ، حتى يشتعل ويضيء. قال تعالى في سورة الأنعام ( 122) :"أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ..".

لم نعرف الإسلام إلا دعوة = وضاءة تحيي الأنام وتلهم

فكيف للداعية أن يصل إلى القلوب ؟

لابد أن يكون الداعية ابتداء علرفا بالله ، متصلا به ، وأن ينظر إلى أهل الهوى والمعاصي على أنهم مرضى ، فيعطف ويشفق عليهم ، ويحتال لعلاجهم بما لا ينفرهم منه ومن دعوته . قال بعض الصالحين من السلف: أهل المحبة لله نظروا بنور الله ، وعطفوا على أهل معاصي الله ، مقتوا أعمالهم ، وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم ، وأشفقوا على أبدانهم من النار .

ولابد أيضا أن يكون الداعية قدوة حسنة ، يطبق ما يقول ، وإلا فلن يتأثر الناس بقوله ، شأنه شأن المعلم ...

فابدأ بنفسك فانهها عن غيها = فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما تقول ويهتدى = بالقول منك وينفع التعليم

وأن تكون سيرته حسنة بين الناس ، وأن يكون ذو خلق حسن ...

أكرم بذي الأخلاق من الناس = شبهته في الناس بالنبراس

به يستضاء إذا ظلام دامس = ساد الوجوه فذاك خير الناس

وإذا سعى فالخير مقصود له = وإذا دعا فالحق خير أساس

ولابد وأن تكون له أياد بيضاء عند الناس ، من البر والإحسان ، فبالبر يستعبد الحر ...

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم = فطالما استعبد الإنسان إحسان

إذا ، فلابد من القدوة قبل الدعوة ، ومن الإحسان قبل البيان .

ولكي يستطيع الداعية أن يصل إلى قلب المدعو ليأخذ بيده إلى منابع الخير والنور ، لابد أن يكون هذا الداعية مشحونا بالحق والنور ، وبعاطفة قوية جياشة . يقول الشيخ المودودي - يرحمه الله -: اسمحوا لي أن أقول لكم ، أنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم ، فإنكم لابد أن تبوءوا بالفشل الذريع ... ، عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة .

ثو لابد من الرحمة ومن الرفق ، فقد قال عليه السلام:"فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". والرفق مطلوب ومتعين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى ، عالم بما يأمر عالم بما ينهى ، عدل بما يأمر عدل بما ينهى . وروي أن أبا الدرداء - رضي الله عنه - مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه ، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ، ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا: بلى . قال: فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا الله الذي عافاكم . فقالوا: أفلا تبغضه ؟ فقال: إنما أبغض عمله ، فإذا تركه ، فهو أخي . ومر فتى يجر ثوبه ، فهم أصحاب صلة بن أشيم إن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا ، فقال صلة: دعوني أكفكم أمره ، ثم قال: يا ابن أخي ، إن لي إليك حاجة . قال: ما هي ؟ قال: أحب أن ترفع إزارك . قال: نعم ونعمى عين ، فرفع إزاره . فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم ، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم .

ومن مقومات الداعية الأخرى أيضا ، وهج الروح ، ووضاءة الوجه ، ودقة الشعور ، وحسن الهندام ، فضلا عن الإيمان العميق ، والفهم الدقيق ، فهذه -كما يقول الداعية عباس السيسي - ثروة الداعية .

وللداعية الصادق تأثير أبعد من الخطابة والكتابة ، بقلبه وعاطفته وفعله ، فهو يقدم دعوته للناس وكأنها هدية ... فكيف تكون الهدية ؟ .

فيا أيها الداعية المسلم ...

كن مشعلا في جنح ليل حالك = يهدي الأنام إلى الهدى ويبين

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت