صفات القدوة الصالحة:
1 ـ اقتران القول والعمل:
فالقدوة الصالحة تقول خيرًا وتعمل خيرًا، فلا تجد تناقضًا بين منطقها وسلوكها، ولذلك كان الأنبياء - عليهم السلام - والأولياء قدوات صالحة لأنّك تجد انسجامًا واضحًا بين ما يقولون وبين ما يجسّدون من تلك الأقوال، وهذا ما دعا القرآن الكريم إلى اعتبار التناقض أمرًا ممقوتًا عند الله: (( يا أيُّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ).
2 ـ حيازة مؤهلات وصفات مؤثرة:
فلكي يكون شخصٌ قدوة لغيره لا بدّ أن يمتاز عليه بسمة أو سمات عديدة يفتقدها المقتدي أو بعضها، فيسعى للسير على منوال القدوة من أجل اكتساب مثل ما لديه من مؤهلات وصفات حميدة.
وكلّما كانت القدوة حائزة على مؤهلات أكبر كانت قوّة الدفع أكبر، ولذا يُنصح الشبان والفتيات بعدم حصر قدواتهم في النماذج المحدودة، وإنّما الانطلاق نحو القمم، ولذلك قال الشاعر:
ومَنْ يتهيّب صعودَ الجبال يعش أبدَ الدّهرِ بينَ الحفر
3 ـ الثبات على المبادئ:
القدوة الصالحة ليست قدوة موسمية تؤثر لبعض الوقت، أو في أماكن محدّدة، إنّما هي ذات تأثير وجاذبية أينما حلّت وارتحلت (( وجعلني مباركًا أينما كنت ) )، فالثبات يعطي الانطباع عن الصدق والصبر، والتحدي والإيمان العميق بالمبادئ التي يحملها القدوة، بعكس التذبذب أو التردد، أو التراجع أو التساقط.
إنّ الإنسان الشاب أو الفتاة قد ينهار تحت الضغوطات لكنّه إذا تذكّر الثابتين الصامدين، المقاومين في عناد؛ خجل من نفسه، واتّكأ على جراحه، وواصل المسير.
4 ـ العمل على السجيّة وعدم التكلّف:
كلّما كانت القدوة تتصرّف بوحي من ثقتها بنفسها وإيمانها، وعلى سجيّتها دونما تصنّع ولا تكلّف ولا تمثيل؛ شدّ ذلك الأنظار إليها، فالقول الحسن لدى القدوة يطفح كما الماء من الينبوع بعفوية وتلقائية، والفعل الحسن يصدر عنها كما يصدر الشعاع عن الشمس، والعطر من الوردة ذاتها.
إنّ الوردة لو أرادت أن تتعطّر بعطر غير عطرها فلربّما فاح ذلك العطر مؤقتًا لكنّه لا يمثل أنفاس الوردة العاطرة، وإنّما هو شيء طارئ ودخيل عليها، وكذلك القدوة ففعلها وقولها ليس طارئًا وإنّما هو من شمائلها.
والنفس الإنسانية ميّالة بطبعها إلى الإنسان الصادق مع نفسه ومع الآخرين، والذي يتصرّف بنقاء شبيه بنقاء الماء والشعاع والعطر، وهذا هو السبب الذي يجعل بعض الناس يؤثر فيك من غير أن يتكلّم معك، فسلوكه وحده قدوة، وهو نفسه الذي يجعل بعض الصالحين يقول: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، حتى يروا منكم الصدق والصلاح والورع، فذلك داعية» ، وقد ثبت تربويًا أنّ (التربية غير المباشرة) العملية أكثر تأثيرًا من (التربية غير المباشرة) القولية.
5 ـ آمرة مؤتمرة، ناهية منتهية:
وهذا هو التطابق بين الإيمان وبين العمل، فحتى تؤتي القدوة تأثيرها لا بدّ أن تعمل بما تأمر به، حتى إذا رأى المؤتمرون فعلها بما تأمر صدّقوها، وأخذوا بأوامرها، كما لا بدّ أن تنتهي عمّا تنهى عنه من شر أو منكر، أو سوء أو خبث أو بذاءة، فإذا لم يلحظ المنتهون ذلك، أو رأوا عكسه وبخلافه؛ عابوها وانتقصوا من قدرها، وسخروا منها، وفي ذلك يقول الشاعر:
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
ولو راجعت قصص القدوات الصالحة لرأيت هذا الشرط واضحًا في سلوكهم، فقد كانوا لا يأمرون بشيء حتى يسبقوا الناس إلى العمل به، ولا ينهون عن شيء إلاّ ويسبقون الناس أيضًا بالامتناع عنه.
6 ـ تعترف بالخطأ وتسعى لتصحيحه:
القدوة قدوتان: قدوة معصومة لا يتطرّق الخطأ إلى أقوالها وأفعالها، كما هم الأنبياء - عليهم السلام - الذين يشبههم البعض بالشموس الساطعة التي كلّها نور، ولأنّ المراد منها أن تنير عقول الناس وقلوبهم وحياتهم، فلا يصحّ أن يكون هناك شيء من الظلمة ولو قليلًا.
وهناك قدوة غير معصومة، قد يصدر عنها الخطأ لكنّها تسارع إلى معالجته وتفاديه، والاعتراف به، وعدم الإصرار عليه، أو تكراره مستقبلًا، وبذلك تكون قدوة حتى في صراحتها وشفافيتها، وفي سعيها إلى تصحيح ما تقع به من أخطاء.
إنّ المتقين - وهم قدوات صالحة - يقعون في الخطأ أحيانًا، لكنّ ميزتهم عن سواهم أن سواهم تأخذه العزّة بالإثم فيكابر ويحاور ويناور لئلاّ يقال عنه أ نّه أخطأ، فيما يؤوب المتقي إلى ربّه، ويثوب سريعًا إلى رشده (( إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون ) ).
و"طائف الشيطان"هو الخواطر الخبيثة والشريرة التي تخطر على بال الإنسان، لكنّه بما أوتي من قدرة إيمانية تصحيحية يعمل على طرد تلك الوساوس والتسويلات والخواطر، ليعود إلى سابق عهده ونقائه، كالنهر تتساقط بعض الشوائب لتلوثه لكنّه سرعان ما يعود إلى صفائه من جديد.بتصرف يسير عن: http://www.balagh.com/youth/3k0صلى الله عليه وسلمb8jq.htm
ـــــــــــــــ