فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 145

أهميتها ـ مقوماتها ـ ميادينها

أسماء بنت راشد الرويشد

الحمد لله ربّ العالمين القائل في كتابه المبين: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ).

والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي جعله الله قدوة للمؤمنين: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) )- صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وعلى كل من اتبع آثارهم واقتفى، أما بعد:

تشتد حاجة المسلمين اليوم إلى مثل أعلى يقتدون به، ويقتفون أثره، ويحذون حذوه؛ وذلك بسبب ضعف فهم الناس للدين، وقلة تطبيقهم لهم، ولغلبة الأهواء، وإيثار المصالح العاجلة، مع قلة العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، فنحن في هذه المرحلة من الزمن؛ وقد بدت آثار الصحوة الحقة تبهت في مجتمعنا المسلم، قد تضاعفت حاجة المسلمين في مختلف أوساطهم وطبقاتهم إلى قدوات وريادات تكون أنموذجًا واقعيًا، ومثالًا حيًا؛ يرون الناس فيهم معاني الدين الصحيح علمًا وعملًا، قولًا وفعلًا، فيقبلون عليهم، وينجذبون إليهم؛ لأنَّ التأثير بالأفعال والأحوال أبلغ وأشدّ من التأثير بالكلام وحده، وقد قيل: شاهد الحال أقوى من شاهد المقال.

ويشهد لأهمية ذلك أنَّ الله - جلَّ وعلا - جعل نبيه - صلى الله عليه وسلم - أسوة لمن بعده: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.. ) )، كما أمره أن يقتدي بمن سبق من الأنبياء: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) ) (الأنعام /90) .

ورأس الأمر في القدوة والأسوة الحسنة أن ندعو الناس بأفعالنا مع أقوالنا، يقول عبدالواحد بن زياد:"ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه"، ولما نبذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمه وقال: (إني اتخذت خاتمًا من ذهب) فنبذه وقال: (إني لن ألبسه أبدًا) فنبذ الناس خواتمهم فدلَّ ذلك على أنَّ الفعل أبلغ من القول.

ونحن - كما أسلفت - في هذه الفترة العصيبة التي تمر على الأمة من الضعف والهزيمة نحتاج أن نحقق في أنفسنا أنموذج التطبيق الصحيح لهذا الدين؛ لكي يحقق الله لنا النصر والتمكين، ونسد على المتربصين أعداء الذين منافذ تسلطهم وسطوتهم باسم الإصلاح، وحفظ الحقوق، فهذا خليل الله إبراهيم - عليه السلام - لما جعله الله إمامًا للناس يقتدى به قال: (( ومن ذريتي ) )أخبره الله - تعالى- أنَّ فيهم عاص وظالم لا يستحق الإمامة، فقال: (( لا ينال عهدي الظالمين ) )، فإذا أردنا أن يحفظ الله لنا ديننا، ويستتب أمننا، ونردّ كيد أعدائنا؛ فلنقم هذا الدين علمًا وعملًا ومنهجًا لحياتنا وسلوكنا، إذ إن المسلم القدوة أشد على أعداء الدين من كل عدة، ولذلك لما تمنى الناس ذهبًا ينفقونه في سبيل الله كانت مقولة عمر بن الخطاب:"ولكني أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله"، فعسى إن كنا على مستوى حسن الأسوة والتأسي أن يمكن لنا في الأرض، وأن يجعلنا أئمة ويجعلنا الوارثين.

أهمية القدوة في حياة المسلمين وواقعهم:

1ـ إنَّ القدوة هي ذلك التأثير الغامض الخفي الذي يمثله أفعال وأقوال ومواقف المثال الحي المرتقى في درجات الكمال، مما يثير في نفس الآخرين الإعجاب والمحبة التي تتهيج معها دوافع الغيرة، والتنافس المحمود، ويتولَّد لديهم حوافز قوية تحفزهم؛ لأن يعملوا مثله، وقد يكون ذلك دون توجيه مباشر.

2ـ القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل والاستقامة تعطي الآخرين قناعة بأنَّ بلوغ هذا المستوى من الأمور ممكن، وأنها في متناول قدرات الإنسان ولا سيما في زمن الفتن وكثرة الصوارف.

3ـ مهما توسعت دائرة المعارف، وانتشر العلم بين النَّاس؛ فإنَّ واقعهم لا يزال يشكو القصور والانحراف؛ ما لم يقم بذلك العلم عاملون مخلصون، يكونون قدوات في مجتمعاتهم وطبقاتهم، يمتثلون أمره، ويخطون على منهجه، يترجمون ذلك العلم إلى واقع عملي للحياة يفهمه الجميع؛ إذ إن مستويات فهم العلم والقول عند الناس تتفاوت، لكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين لمثال حي، يكون أيسر وأقوى في إيصال المعاني وإحداث التغيير، ومن ذلك ما كان من تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش ابنة عمته من زيد بن حارثة مولاه الذي أعتقه؛ لكي يكون قدوة ومثالًا حيًا للناس لما تأصل في نفوسهم من الفوارق الطبقية التي جاء الإسلام بإلغائها، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

4 ـ إنَّ غياب القدوة في حياة المسلمين عامل رئيس في فشو الجهل، وانتشار المنكرات واستفحالها؛ وذلك لأنَّ العاملين بالعلم والقائمين بدين الله هم في الحقيقة دعاة يعلنون الحق بأفعالهم، وينشرون الدين الحق حين ينتشرون بين الناس، فيظهر أمره في الناس، وتنحسر أمامهم المنكرات بتواجدهم الفعال المؤثر في الآخرين، وهكذا فكلما ازدادت القدوات انتشر العلم، واختفت المنكرات، وقد نقل عن إبراهيم ابن أدهم أنه قال يومًا لأصحابه:"ادعوا الناس وأنتم صامتون، قالوا: كيف ذلك؟ قال: ادعوا الناس بأفعالكم".

5ـ الناس ينظرون إلى المتعلم العلم الشرعي والصالح نظرة دقيقة فاحصة دون أن يعلم، فربّ خطأ يقوم به لا يلقي له بالًا يكون في حسابهم من الكبائر؛ وذلك لأنه محسوب في مجتمعه قدوة لهم، وهنا تكمن أهمية القدوة وخطورتها، إذ إن كل مفارقة بين أقوال القدوة وسلوكه واهتماماته تشكِّل مصدر حيرة وإحباط لدى عامة الناس، وخصوصًا المبتدئين في الالتزام، ويكون مصدر فتنة للناس، واستخفاف بالعلم الذي تلقاه.

فالذين يعرفهم الناس بالصلاح والتدين؛ وهم في الحقيقة جمعوا مع تلك السمعة تناقضًا في الواقع، ومخالفة لما يفترض أن يكونوا عليه؛ هؤلاء لا يقال فيه: إنهم لا يصلحون أن يكونوا قدوات، بل إنهم يمارسون دورًا تخريبيًا؛ إذ هم يشوهون صورة الصالحين والفضلاء في أذهان العامة، ويعطونهم صورة مخالفة لحقيقة الدين التي قد لا يعرفونها إلا من خلالهم، كما أنههم يشجعون الناس بطريقة خفية على التميع والهشاشة الدينية، ويتسببون في تبخير ما بقي من هيبة واحترام للصالحين، ويكونون سببًا في فقد ثقة الناس بهم.

ولذلك فإنَّ المسؤولية عظيمة وكبيرة على العلماء والدعاة والصالحين وذويهم وأهل بيوتهم بشكل خاص، إذ لا بدَّ أن يؤهلوا تأهيلًا خاصًا لإكمال وظيفتهم الدعوية في المجتمع؛ عن طريق الاهتمام بتحقيق القدوة والأنموذج الواقعي للصلاح والاستقامة، وهذا يلقي عليهم مسؤولية عامة تجاه الناس، فضلًا عن مسؤوليتهم الخاصة تجاه أنفسهم فيما بينهم وبين الله - تعالى-.

وعلى ذلك فإنَّ على كل مسلم ومسلمة عرف طريق الحق وسلكه أن يجاهد نفسه ليقترب ما استطاع من ذلك الأنموذج الإنساني الراقي، نعني به القدوة، وإذا نظرنا في تاريخ العلماء والصالحين وجدنا أدبيات كثيرة تحثّ المسلم على التميز والحرص على العمل بالعلم، إذ يقول سفيان بن عيينة:"إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل؛ فما أصنع بالعلم الذي كتبت؟!"، وقال الحسن:"لا تكن ممَّن يجمع علم العلماء، وطرائف الحكماء، ويجري في العمل مجرى السفهاء"، وقال أيضًا:"كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه، ولسانه وبصره ويده".

فالرأس في الخير لا بدَّ أن يسير في طريق المجاهدة، ومنابذة الشهوات، ولا يرتضي لنفسه أن يكون من الخلوف الذين وصفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم: (يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون) ، وإنما يحرص على أن يكون من أتباع المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذين وصفوا بأنهم: (يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره) ، وكما يقول مالك بن دينار:"إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصخرة الصماء".

مقومات القدوة:

1ـ الإخلاص، وهو من أعظم المطالب؛ إذ يجب أن يفتش عنه الإنسان المقتدى به، فيكون المقصود بالقول والعلم والعمل وجه الله - عزَّ وجل - بعيدًا عن أغراض النفس، ونظر الناس، فيفعل الأمر، ويترك النهي، مع تمام الخضوع لله، والتسليم له.

2ـ الاستقامة على الإيمان والعمل الصالح، إذ إن هناك الكثير من الصالحين، ولكن قليل من يستقيم على ذلك، ويتمسَّك به في كل أحيانه وظروفه، وفي كل زمان ومكان، فلا يتغيَّر ولا يتلون ولا يحابي، فللقدوة في نفسه شغلًا بين إقامتها ومجاهدتها وسياستها، وهذا هو المطلوب الأعلى، والنهج الأسمى، وقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال:"قل آمنت بالله ثم استقم".

3ـ حسن الخلق: إذا كانت الاستقامة والصلاح يتوجهان إلى ذات المقتدى به ليكون صالحًا في نفسه، قويمًا في علاقته مع ربه، فإنَّ حسن الخلق يتوجه إلى علاقته بالناس، وأصول تعامله معهم، ويُجمل ذلك المنهج الدعوة النبوية في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وخالق الناس بخلق حسن) .

والكلام في حسن الخلق واسع ومتشعب، ولكن نجعله في أمور وكليات منها:

* الصدق: فيحذر القدوة الخداع والكذب والتحايل، وكل خلق يضاد صفة الصدق؛ لأنَّ المؤمن القدوة لا بدَّ أن يطمئن إليه الناس ويثقوا به، ولا يكون ذلك إلا لصادق.

* الصبر، وتحمل الأذى، والصفح عن المسيء، وسعة الصدر: إذ إن الناس يكتشفون معدن الإنسان، ويمنحونه احترامهم وثقتهم عن طريق رؤيتهم لتصرفاته وتعامله، وأخلاقياته الراقية التي تنشأ عن الصبر والاتزان.

ومن أعظم أنواع التعامل الحسن أيضًا:

* التواضع، وإنكار الذات، وأن يألف ويؤلف، وكذلك العفو والتسامح، وغض الطرف عن الهفوات.

ومن مكارم الأخلاق التي هي مقومات القدوة:

* عفة اللسان، والترفع عن القيل والقال، وترك الانشغال بسفاسف الأمور، وتجنب الخوض مع الخائضين.

ومن صفات القدوات:

* الكرم، والرحمة، وأداء الأمانة، ووفاء الوعد، والقناعة، والعفة، والرضا بالقليل، وغير ذلك من الأخلاق والصفات التي تجسدت في قدوتنا وأسوتنا النبي الكريم الأكرم سيد الخلق وقدوتهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

4ـ استقلال الشخصية: وذلك ركن رئيس في سمات القدوة، فيتحرر القدوة من التبعية والتقليد الساذج، فيكون مؤثرًا لا متأثرًا، ما لم يكن متأسيًا بهدي الصالحين والمصلحين، فلا يليق بمن هو في موقع القدوة أن يكون إمعة يخضع لضغط الجهال والسفهاء، يميل معهم حيث مالوا، وقد ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله:"وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإذا أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم"، ولكي لا يفتتن به إمعة من رعاع الناس لا يرى الدين إلا من خلال تصرفاته، فكما تكون الإمامة والأسوة في الخير؛ فهناك قدوة الضلالة ينظرون الناس إليه على أنه مثلهم الأعلى، فإن زلَّ زلوا معه، وإن عاد إلى الصواب بعد ذلك قد لا يعودون.

5 ـ من مقومات القدوة: الاعتدال في أمور الحياة، ونهج منهج التوسط والاقتصاد، ومراعاة آداب الشريعة وتوجيهاتها في أمور الحياة والمعيشة، ولا سيما في اللباس والمظهر، وهما الامتداد المادي لحقيقة الذات، والعاكس المهم لكثير من كوامن الشخصية وخصائصها، فمن المهم أن ينسجم مظهر القدوة مع منهج التدين الذي ينسب إليه، والحذر من المفارقات والتناقض الذي يضعف أثر القدوة في نفوس الناس.

6 ـ تنظيم الوقت وحفظه من مقومات شخصية القدوة، بحيث يعطي كل ذي حق حقه، ولا يطغى جانب في حياته على جانب آخر، فتضيع الواجبات والأولويات على حساب الاشتغال بالتوافه والثانويات.

ميادين القدوة:

1ـ العبادة والطاعات المحضة، وذلك بالمحافظة على الفرائض والواجبات، والتزود بالإكثار من النوافل والقربات، فذلك ميدان مهم من ميادين الدعوة بالقدوة، كما كان التأثير بذلك قويًا في هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في عبادته وقيامه بحق ربه، ومن ذلك أيضًا أمره لنسائه بقيام الليل حينما رأي تنزل الفتن والخزائن على أمته ليقتدي بهن النساء، خاصة والناس عامة في كل زمان، ولاسيما زمن كثرة الفتن.

2ـ علاقة القدوة بالناس وتعامله معهم وكسبه لحبهن واحترامهم وثقتهم من خلال حسن تصرفه وتحليه بمكارم الأخلاق والسماحة والكرم والعدل وطيب العشرة وطلاقة الوجه وحسن القول، إلى غير ذلك من مجالات الدعوة بالقدوة في التعامل، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الميدان أعظم أسوة وأرقاها.

3 ـ تكوين النفس وتربيتها علمًا وأدبًا وسمتًا ومظهرًا، وهذا ـ كما أشرنا سابقًا ـ لا تتحقق القدوة إلا به، وهو في الوقت ذاته مجال من مجالات الدعوة وأسلوب مؤثر من أساليبها. فيقع التأثر في نفوس الناس بمظهر القدوة وسمته ووقاره موقعًا بليغًا يفوق أحيانًا الاستفادة من أقواله وعلمه. وقد ورد أنَّ الذين كانوا يجلسون على الإمام أحمد بن حنبل في مجلس درسه يبلغ المئات، مع أنَّ الذي يطلب عليه ويدون علمه عدد قليل من ذلك الحشد الكبير الذي إنما حضر انتفاعًا بهدي الشيخ وإقتداء بسمته وأدبه.

أهمية القدوة في أوساط النساء:

إننا في ظل الظروف الحالية والمرحلة الخطيرة المقبلة بحاجة ماسة إلى قدوات من نساء فقهن دينهن ووعين دورهن في المجتمع، إذ إن هناك مجالات وميادين نسائية كثيرة تفتقر إلى التوجيه القيادي العملي، ولاسيما في مجالي التربية في البيوت والتعليم في المدارس والجامعات. ومع ذلك فهناك من النساء الرائدات كان لهن التأثير الكبير بفضل الله على أزواجهن وأسرهن وطالباتهن من خلال أسلوب القدوة الفعَّال.

ومع أنَّ الصحوة العلمية والحركة الدعوية في أوساط النساء قد بلغت في وقتنا الحاضر من القوة والنشاط ما لم يسبق له مثيل فيما مضى، إلا إنه لا يزال الأمر محصورًا في طبقة المتدينات والراغبات في الخير إجمالًا، بينما هناك في أوساط النساء جماعات كثيرة وشريحة ضخمة لا يبلغهن ذلك الخير ولا تصلهن الدعوة، وذلك في الغالب بسبب الغفلة والانشغال بأمور الدنيا.

فكيف يمكن إيصال الدعوة إليهن والتأثير عليهن؟

إنه عن طريق القدوة الصالحة لتلك المرأة الواعية الفاضلة التي لا بدَّ أن تكون موجودة بين صفوف أولئك النسوة.

عندها يفهم الجميع هذا الدين ويدركون المطلوب منهم والمحذور عليهم، من خلال النساء الصالحات القدوات.

نصائح وتوجيهات لكل موفقة اصطفاها الله - جل وعلا - لتكون أسوة تحتذى ومنارة للهدى:

إنَّ الذي ينحدر للتهافت على الملذات ذلك الذي رضي لنفسه أن يعيش دائمًا في القاع، وأما من يرقى في سلم الطاعات ومجاهدة الملذات؛ فذلك صاحب الإمامة في الدين وقدوة المتقين ومضرب الأمثال للعالمين، وإن كانت امرأة {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} .. وكذلك {َمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا..} .

فلذلك أيتها الموفقة، يا من هداك إلى طاعته وبيَّن لك سبيله، يا طالبة العلم الشرعي، يا من نشأت في بيوت الصلاح والدعوة، يا أم وزوجة وأخت وبنت الداعية، يا نساء بيوت العلم والصحوة.

إلى المثل التي يحتذي بها غيرها من النساء، إلى القدوة الصالحة لغيرها من المؤمنات، إلى المثال الحي الواقعي لحياة ملأتها المغريات والملهيات؛ حتى ظنَّ بعض المفتونات أنَّ بلوغ ذلك المستوى من تكوين الذات وإنشاء مثل تلك البيوت من الأمور المستحيلة.

وإليك ـ أختي القدوة الداعية بأفعالك ـ هذه التوصيات والتنبيهات:

1ـ الحذر من التساهل الذي يفتن العامة ويلبس عليهم، مثل الأخذ بالرخص وبعض أقوال أهل العلم الشاذة أو المرجوحة. ولما نهى عمر - رضي الله عنه - عبد الرحمن بن عوف عن لبس الخفين في الحج ـ أخذًا بالرخصة في ذلك ـ؛ لخشية عمر أن يتوسَّع الناس في ذلك، قال له:"عزمت عليك إلا نزعتهما، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك فيقتدون بك". ومن ذلك في الوقت الحاضر: تساهل كثيرًا من الخيرات، بل وبعض طالبات العلم الشرعي في ركوب السيارة مع السائق لوحدها وحصول الخلوة بذلك؛ أخذًا بقول بعض من رخص، وكذلك التساهل في الوقوع في بعض الأمور المستحدثة التي ترجح تحريمها، كما في مسألة تشقير الحاجبين ليبدوا أدق قريبًا من وصف النمص، وذلك مما أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بعدم جوازه.

بل إن صاحبه الأسوة الحسنة قد تحتاج إلى ترك بعض المباحات أو التقليل منها؛ احتياطًا لأمر دينها وبعدًا عن الشبهات وصيانة لنفسها عن مواطن سوء الظن؛ لأنَّ ذلك ينفر الناس من الاقتداء بها. ككثرة المزاح والضحك وكثرة الخروج والزيارات وامتدادها الساعات الطويلة بغير حاجة ولا مبرر شرعي.

2 ـ إنَّ مما يساعد المرأة المسلمة على الارتقاء بذاتها إلى درجة القدوة: أن تتخذ مع اقتدائها بنبيها وسلفها الصالح ـ من بعض من تلقاه من الصالحات العالمات بدينهن مثلًا تقتدي به؛ لأنَّها لا بدَّ وأن تجد فيمن عاشرته وتلقت عنه سمتا وهديا فائقا يجذبها إليه، فتستطيع من خلال التأمل أن تقف على أفضل ما يحمله من حولها من الصالحين والصالحات من صفات، ثم تستلهم من ذلك الدافع القوي لتربية ذاتها، فقد تجد عند البعض حسن التعامل مع الآخرين.. كالصفح عن المسيء وحسن الظن ولطف الخطاب وسعة الصدر والتواضع وإنكار الذات، وقد تلمح عند أخريات الإسراع إلى فعل الطاعات وبذل الصدقات، ثم قد يجذبها عند الأخرى حسن مظهرها المتلائم مع تعاليم دينها مع احتفاظها ببهائها وجمالها ونظافتها، كل ذلك من غير إسراف ولا مخيلة.

ولهذا التوجيه أصل عظيم في كتاب الله - تعالى -، حيث قال الله - تعالى - آمرًا نبيه بالنظر في أحوال وأوصاف الأنبياء قبله متخذًا هديهم أسوة له، فقال - تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ..} .

3 ـ لا بدَّ وأن تكوني واضحة وصادقة مع نفسك لاكتشاف نوعية التصرف والخطأ الذي لا يصلح معه أن تكوني قدوة ويسقط هيبتك الدينية، ومن ثم انتفاعهم بكلامك، بل قد يكون ذلك سببًا في فتنة الآخرين وضلالهم تأسيًا بخطاك، وذلك الأمر يتطلب الوقوف على النفس بالمحاسبة ومراجعة الذات ثم العمل على تهذيبها ومجاهدة ما شقّ عليها.

4ـ الحذر من بعض الأمور الدارجة في هذا العصر، والتي تهافت عليها الكثير من النساء لقصورهم العلمي ونقص ديانتهم، فأصبحت في بعض المجتمعات والأسر من المشاهد والظواهر المألوفة، مع مخالفتها الصريحة للدين وبيان حكم تحريمها، ولكن لغلبة ممارستها وكثرة الوقوع فيها استسهلها وتأثر بها كثير من الصالحات والقدوات، وشاكلن الجاهلات في ذلك؛ فاختلط الأمر على العامة وتلبس الباطل والمنكر بلبوس الحق والمعروف.

ومن ذلك:

أ ـ ما يتعلق بالمظهر واللباس، سواء في لبس الحجاب عند الخروج، أو لبس الثياب والزينة عند النساء، فأما مظاهر القصور والخلل في الحجاب متنوعة، منها: التساهل في لبس النقاب الواسع والبرقع، وانتشار ذلك، ولبس العباءة على الكتف والجلباب، والتساهل في ستر القدمين والساق بالجوارب، ولنا في عائشة - رضي الله عنها - أسوة حسنة عندما كانت تشدّ خمارها حياء من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو ميت في قبره عندما كانت تدخل البيت الذي دفن فيه. وأمَّا التساهل في المظهر واللباس والزينة بشكل عام، فقد عمَّت به البلوى في أوساط بيوت الصالحين، وتقلَّد حملها ووزرها كثير ممَّن هم مظنة القدوات لغيرهن.. فلبسن الملابس الضيقة المحجمة لأجسادهن بشكل تأباه الفطر السليمة ويحرمه الدين القويم كما صحَّ في حديث الكاسيات العاريات. وكذلك الملابس شبه العارية التي تكشف عن أجزاء من الجسم شأنها أن تُستر، وللأسف.. لقد عظم الخطب، وقد كان النكير من قبل على عامة النساء اللواتي وقعن في هذه المظاهر الخداعة من التقليد الساذج للغرب، ولكن ـ للأسف ـ نجد هذه المظاهر انتقلت إلى كثير من الصالحات وتساهلن بها في أنفسهن وفي أهليهن.

ب ـ كثرة الخروج للأسواق والتجوال بها، وكذلك الملاهي والمطاعم التي يكثر فيها المنكرات وتجمع الفساق. والأصل قرار المرأة في بيتها لغير حاجة شرعية {وقرن في بيوتكن} .

ج ـ السفر بغير محرم، وفي الحديث المتفق عليه:"لا يحل لامرأة أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم".

د ـ الخلوة مع الرجل الأجنبي، كالبائع في المحل والطبيب في العيادة والسائق في السيارة؛ لحديث"لا يخلون رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما".

هـ ـ التعطر عند الخروج من المنزل أو أثناء الزيارات والتجمعات النسائية وتقديم العطر والبخور لهن ومنهن من ستركب سيارتها مع سائق أجنبي يجد ريحها، ونسيت قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"أيما امرأة استعطرت فمرَّت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية".

و ـ الاختلاط بالرجال في البيوت بالجلسات الأسرية، أو إقرار ذلك أثناء جلوسها معهم، والسماح للبنات بمخالطة الشباب الذكور من الأسر القريبة، مع غياب الغيرة على الأعراض وعدم مراقبة المولى - جل وعلا -.

ز ـ الإسراف العام في شؤون الحياة، والمبالغة في الاهتمام بالتوافه من أمر الدنيا، كتزيين المنازل واقتناء الأواني والإسراف في الملابس والحلي والولائم، على وجه التفاخر والتكاثر المحرَّم والذي غرق فيه أرباب الدنيا ـ نسأل الله العافية ـ.

5 ـ إنَّ الفرق الذي بيننا وبين أسلافنا وقدواتنا الصالحة أنَّ المسلمات كنَّ جميعًا قدوات بعضهن لبعض {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ..} ؛ وذلك بسبب قوة علاقتهن بالله - تعالى -،"ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف".. كانت القلوب بالله متصلة وحريصة على تأدية أمانة هذا الدين.

والآن قلَّ أن نجد هذه البواعث فينا إلا من رحمه الله؛ لغلبة الغفلة والتعلق بالدنيا وشهواتها، وكلما بعد الزمن عن زمن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ازداد هذا الجهل وقلَّ التأثر وتساهل الناس في أداء الأمانة وغابت قيادة القدوة.

قال - صلى الله عليه وسلم -:"وإذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

وفي الختام أخاطب أختي المسلمة فأقول:

انظري إلى نفسك: هل تريدين الدنيا أم الآخرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت