فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 145

بِقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى

إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته، وتحقيق بغيته، لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات، واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أراها * * * تُنال إلا على جسر من التعب.

آخر:

فقل لِمُرَجِّي معالي الأمور * * * بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا.

آخر:

لولا المشقة ساد الناس كلهم * * * الجود يُفقر، والإقدام قتَّال.

آخر:

والذي يركب بحرًا سيرى * * * قُحَمَ الأهوالِ من بعِدِ قُحَمْ.

آخر:

الذل في دَعَة النفوس ولا أرى * * * عِزَّ المعيشة دون أن يُشْقَى لها.

كان أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - يصوم حتى يعود كالخلال العود الذي يخلل بهِ الأسنان فقيل له:"لو أَجْمَمْتَ نفسك؟"؛ أي: تركتها تستريح فقال:"هيهات! إنما يسبق من الخيل المُضَمَّرة.".

وقد قيل: من طلب الراحة، ترك الراحة.

فيا وصل الحبيب أما إليه بغير مشقة أبدًا طريق.

قال الإمام المحقق ابن القيم - رحمه الله تعالى: (وقد أجمع عقلاء كل الأمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيمِ، وأن من آثر الراحة، فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هَمَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا، استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قادة لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله) أهـ.

وكلما كانت النفوس أشرف، والهمة أعلى، كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل، كما قال المتنبي:

وإذا النفوسُ كُنَّ كبارًا * * * تعبت في مرادها الأجسام.

وقال ابن الرومي:

قلب يظل على أفكاره وَيَدٌ * * * تُمضِي الأمور ونفسٌ لهوها التعَبُ.

وقال مسلم في صحيحهِ:"قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنال العلم براحة البدن".

ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب، وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقهِ، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام، فأما في هذه الدار فكلا ولمَّا. أهـ (1) .

قال الصديق أبو بكر - رضي الله عنه:"والله ما نمتُ فحلمت، ولا توهَّمتُ فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغتُ"، أي: شغلته حروب الردة والفتوح وإرساء جهاز دولة الخلافة إلى حَدِّ أنه لا يتسنى له أن يستغرق في نومهِ، ولا يتاح له أن يحلم"."

وقال فاطمة بنت عبد الملك في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله:"ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استُخلِف".

وقال الإمام أحمد - رحمه الله - لابنه في المحنة:"يا بني! لقد أعطيتُ المجهود من نفسي".

وقال الشيخ محمد الخضر حسين - رحمه الله:"كبير الهمة دومًا في عناء، وهو أبدًا في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ: لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم كلها، ولم تقتصر همته على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن، ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لا بد منه، ويحب الإثار، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرمَ البذل، وتمنعه عزَّة النفس من الكسب من وجوه التبذل، فإن هو جرى على طبعه من الكرم احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك، ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى، وراحة القصير الهمة تعب وشين وإن كان ثمة فهم"أهـ.

ومصداقه في قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

أرى نفسي تتوق إلى أمور * * * ويقصر دون مبلغهن حالي.

فنفسي لا تطاوعني ببخل * * * ومالي لا يُبَلِّغُني فعالي.

وقيل للربيع بن خيثم: (لو أرحت نفسك؟ ) ، قال: (راحتَها أريد) .

وربما كان مكروه النفوس إلى * * * محبوبها سببًا ما مثله سببُ.

قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي: -

"دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور"كأني أُسهِّل عليه الإجابة فقال لي أحمد بن حنبل:"إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت".

وقد قيل للإمام أحمد - رحمه الله تعالى:"متى يجد العبد طعم الراحة؟"، فقال:"عند أول قدم في الجنة".

أحزان قلبي لا تزول * * * حتى أبشر بالقبول.

وأرى كتابي باليمين * * * وَتُسَرَّ عيني بالرسول.

قال الأمير شمس المعالي قابوس:"ابتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل بالسعي في الخطب الجليل".

ونحن أناس لا توسط عندنا * * * لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ.

تهون علينا في المعالي نفُوسُنا * * * ومن خطب الحسناء لم يُغْلِه المهر.

وقال أحدهم لما عوتب لشدة اجتهاده:"إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أحب أن أُغْبَنَ أيامي".

انفضوا النوم وهُبُّوا للعلا * * * فالعلا وقف على من لم ينم.

فالصلاةُ خيرٌ من النومِ، والتجلُّد خيرٌ من التبلُّد، والمنية خيرٌ من الدنية، ومن عزَّ بزَّ:

فثب وثبة فيها المنايا أو المنى * * * فكل محب للحياة ذليل.

فترى عالي الهمة منطلقًا بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم، فيقتحم الأهوال، ويستهين بالصعاب.

قال عمرو بن العاص - رضي الله عنه-:"عليكم بكل أمر مَزْلَقة مَهْلَكَة"، أي: عليكم بجسام الأمور دون خسائسها.

وقال أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه-:"من طلب عظيمًا، خاطر بعظيمتهِ".

ذريني وأهوال الزمان أُعانِها * * * فأهوالُها العظمى تليها رغائبه.

وقال كعب بن زهير:

وليس لمن لم يركب الهولَ بُغْيَةٌ * * * وليس لِرَحْلٍ حَطَّه الله حَاملُ.

آخر:

ذريني أنل ما لا يُنال من العُلا * * * فصعب العلا في الصعبِ، والسهلُ في السهلِ.

تريدين إدراكَ المعالي رخيصة * * * ولابُدَّ دون الشَّهْدِ مِن إبر النحْلِ.

وقال الشريف الرضي:

رمت المعالي فامتنعن ولم يزل * * * أبدًا يُمانع عاشقًا معشوق.

وصبرتُ حتى نِلْتُهن ولم أقل * * * ضجرًا: دواء الفارك (2) التطليق.

وعالي الهمة دائم الترحال في طلبِ مبتغاه حيث لاح له.

آخر:

هِمَمٌ تقاذفتِ الخطوبُ بها * * * فهُرعن من بلدٍ إلى بلد.

آخر:

إذا لم أجد في بلدة ما أريده * * * فعندي لأخرى عَزْمَةٌ ورِكابُ.

وقال مالك بن الرَّيْب:

وفي الأرضِ عن دارِ المذلة مذهبٌ * * * وكلُّ بلادٍ أُوْطِنَتْ كبلادي.

ولا يزال يطير إلى المعالي بجناح الهمة، لا يلوي على شيء، ولا يستفزه لوم اللائمين، ولا تثبيط القاعدين:

سبقت العالمين إلى المعالي * * * بصائب فكرةٍ، وعلوِّ هِمَّهْ.

ولاح بحكمتي نور الهدى * * * في ليالٍ للضلالة مُدْلَهِمَّهْ.

يريد الجاهلون ليطفئوه * * * ويأبى الله إلا أنْ يُتِمَّهْ.

وقال الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي:

رأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسمو * * * إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ.

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ * * * تلقَّاها عرابةُ باليمينِ.

وقال ابن نباتة السعدي:

أعاذلتي على إعتاب نفسي * * * ورعيي في الدجى روضَ السهاد.

إذا شام الفتى برقَ المعالي * * * فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرقاد.

ومن أراد الجنة سلعةَ الله الغالية لم يلتفت إلا لوم لائم، ولا عذل عاذل، ومضى يكدح في السعي لها، قال الله - تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (3) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة اللّه غالية ألا إن سلعة اللّه الجنة" (4) ، وقدر السلعة يُعرف بقدر مشتريها، والثمنِ المبذول فيها، والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا، والثمن خطيرًا، والمنادي جليلًا؛ كانت السلعة نفيسة: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} (5) .

أنت يا مفتون ما تبرح في بحر المنام * * * فدع السهو وبادر مثل فعل المستهامِ.

وسح الدمع على ما أسلفته * * * وابك ولا تلو على عذل الملام.

أيها اللائم دعني لست أصغي للملام * * * إنني أطلب مالكًا نيله صعب المرام.

في جنان الخلد والفردوس في دار السلام * * * وعروسًا فاقت الشمس مع بدر التمام.

طرفها يشرق بالخط مضيًا بالسهام * * * ولها صدغ على خدٍّ كنون تحت لام.

أحسن الأتراب قدًّا في اعتدال وقوام * * *مهرها من قام ليلًا وهو يبكي في الظلام.

وقد لا يتسنى له إدارك بغيته، وتحقيق غايته لأمور خارجة عن إرادته، فلا يفل ذلك من عزيمته، ولا يحط من همته، بل يعزي نفسه أنه أدَّى ما عليه، وأعذر إلى نفسه:

وَمُبْلِغُ نفسٍ عُذْرَها مِثْلُ مُنْجَحِ

قال الطائي:

وركب كأطراف الأسنة عرَّسوا * * * على مثلها، والليل تسطو غياهِبْهُ

لأمرٍ عليهم أن تتم صدورُه * * * وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه

وقال آخر:

سأضرب في طول البلاد وعرضها * * * أنال مرادي أو أموت غريبًا

فإن تلفت نفسي فللهِ دَرُّها * * * وإن سلمت كان الرجوع قريبًا

آخر:

عَجِبْتُ لهم قالوا: تماديتَ في المنى * * * وفي المُثُلِ العُليا، وفي المرتقى الصعبِ.

فاقصر، ولا تجهد يراعك إنما * * * ستبذر حبًّا في ثَرَى ليس بالخصبِ.

فقلتُ لهم: مهلًا، فما اليأس شيمتي * * * سأبذر حَبي، والثمار من الربِّ.

إذا أنا أبلغت الرسالة جاهدًا * * * ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي؟ (6) .

ــــــــــ

(1) مفتاح دار السعادة ص: 366-367.

(2) الفِرْك: هو بغض أحد الزوجين الآخر.

(3) الآية: 19، سورة الإسراء.

(4) الترمذي (2567) وقال: حسنٌ غريب، والحاكم، وصححه، وأقره الذهبي.

(5) الآية: 111، سورة التوبة.

(6) فالداعية العالي الهمة يتمثل دومًا قول الصالحين: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (164) سورة الأعراف، فإن لم يستطع الدعاة تحقيق كل غايتهم فحسبهم أنهم كانوا كما قال سيد قطب - رحمه الله تعالى: (أجراء عند الله، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا: عملوا وقبضوا الأجر المعلوم! وليس لهم، ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر، لا شأن الأجير) ، وحسبهم أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان والثلاثة، وقد يأتي نبي وليس معه أحد، قال - تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} (48) سورة الشورى، وقال - تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} (272) سورة البقرة.

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت