للشيخ / خالد الراشد
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ..
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ..
{ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاْ تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأنتُمْ مُسلِمُونَ } ..
{ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا } ..
{ يَآ أَيَّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَ قُولُواْ قَولًا سَدِيدًا ، يُصلِحْ لَكُم أَعْمَالَكُم وَ يَغْفِرْ لِكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًَا } ..
أما بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله ..
وخير الهدي هدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ..
وشرَّ الأمور محدثاتها ..
وكل محدثة بدعة ..
وكل بدعة ضلالة ..
وكل ضلالة في النار ..
معاشر الأحبة رجالًا ونساءً ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
حيَّا الله الجميع ..
أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم في دار كرامته ..
وأن يحفظنا وإياكم بحفظه ..
وأن يستر علينا وإياكم بستره ..
أسأله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين ..
حديث الليلة خاص إليكِ أنتِ ..
فأنتِ مدار الحديث كله ..
بصلاح المرأة صلاح المجتمع كله ..
وإذا قامت المرأة بدورها العظيم ..
فإنَّ النصر ، والتمكين يكون قريبًا بإذن الله ..
أهلًا بك في لقاء بعنوان:
قبل أن أبدأ أود أن أقول ما الدافع إلى هذا الموضوع ؟..
أولًا ..
حاجة المرأة إلى القدوة ..
حاجة النساء المسلمات اليوم إلى القدوة في زمن ضاعت فيه القدوات ..
من الدوافع أيضًا ..
رفع الهمم في زمن أيضًا ضعفت فيه همم كثيرات ..
ثم ..
الواقع الذي نعيشه اليوم ..
رغبة الناس في الدنيا ..
وعزوفهم عن الآخرة ..
فكان لا بدَّ من التذكير ..
تذكير النفس ..
وتذكير الآخرين والأخريات ..
بأنَّ ما أعدَّ الله للمؤمنين والمؤمنات خير من الدنيا وما فيها ..
ثم من الدوافع ..
أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول ..
ومن سارت على الدرب وصلت بإذن الله ..
إننا أيتها الغالية ..
في أمّس الحاجة للنظر في سيرة أولئك الرجال والنساء ..
إننا أخية ..
في أمّس الحاجة لدراسة سيرة أولئك الرجال والنساء ..
إننا أخية ..
في أمّس الحاجة أن نتأسى بأولئك الرجال والنساء ..
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
من كان متأسيًا فليتأسى بمن مات ، فإنَّ الحي يُخشى عليه من الفتنة ..
أيتها الغالية ..
إننا حقيقة نحتاج إلى أن نصحح المسار ..
ونتخذ من حياة أولئك الرجال والنساء مثالًا لنا ..
إننا بحاجة إلى القدوة في زمن قلَّت فيه القدوات ..
إننا بحاجة إلى أن نتعلم منهم العزة في زمن قلَّ فيه المعتزون والمعتزات ..
إننا بحاجة إلى ان نتعلم منهم الثبات في زمن قلَّ فيه الثابتون والثابتات ..
أما تلاحظين أيتها الغالية ..
أنَّ المفاهيم قد تغيرت ..
حتى أصبح الممثلين والممثلات ، والمغنيين والمغنيات هم القدوات ..
كم تُصرف الأوقات والأموال لقراءة ومتابعة أولئك الغافلين والغافلات !!..
أكرر أخية ..
نحن بحاجة إلى أن نصحح المسار ..
وأن نعرف من هم القدوات ..
سيتكون الموضوع بعد المقدمة التي ذكرناها من ..
صورة من العزة والثبات ..
ثم المحبة ومعناها ..
ثم صورة من حبّ الله ورسوله ..
ثم صانعة الأبطال ..
ثم المؤمنة والحياء ..
ثم نختم بإذن الله ..
-أيتها الغالية ..
هل سمعت عن تلك التي قالت لقومها:
أي والله إني على دينه ..
ما شأنها ؟!..
وما قصتها ؟!..
وما خبرها ؟!..
إنها أم شُريك ..
إنها غزيّة بنت جابر ابن حكيم القرشية العامرية ..
التي كانت من أوائل من أسلم هي وزوجها ..
تحكي رضي الله عنها قصة حياتها ..
حياة الثبات والصبر على دينها رغم التعذيب القاسي ..
تقول: جاءني أهل زوجي ، فقالوا لي:
لعلك على دين محمد ؟!..
لعلك على دين محمد ؟!..
قلت: أي والله إني لعلى دينه ..
تأملي نبرة العزة ..
قلت: أي والله إني لعلى دينه ..
قالوا: لا جرم .. والله لنعذبنَّك عذابًا شديدًا ..
ثم ارتحلوا بي على جمل هو شر ركابهم وأغلظ ..
يطعمونني الخبز والعسل ؛ ويمنعون عني الماء ..
حتى إذا انتصف النهار ، وسخنت الشمس ؛ نزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس قائمة ، وفعلوا بي ذلك ثلاثة أيام ..
حتى ذهب عقلي ، وسمعي ، وبصري ..
قالوا لي في اليوم الثالث:
اتركي دين محمد وما أنت عليه ..
تقول قلت في نفسي: ليتهم رجعوا إلى أنفسهم بعد ماعاينوا صبري وقد ذهب عقلي وسمعي وبصري ..
لعلهم يرجعون عن غيهم وفعلتهم هذه ويدخلون في دين الله عز وجل ..
الدين الذي تذوقت حلاوته ..
نعم أيتها الغالية ..
إنها امرأة لا تملك من حطام الدنيا شيئًا لتفتدي به نفسها من ذلك العذاب ..
ولكنها تمتلك الإيمان ..
تمتلك الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب فامتلأت بحب علَّام الغيوب..
نعم ..
إنَّ الإيمان هو المحرك الحقيقي لهذا الإنسان ..
تقول غزيّة:
وما دريت والله ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة ..
كنت أشير بأصبعي إلى السماء _ علامة على ثباتها على معرفة الله الواحد
الأحد _ ..
تقول: فوالله إني لعلى ذلك وقد بلغ مني الجهد ولكن شاء الله عز وجل أن يلطف بي بعد ذلك البلاء المبين ..
أما قال الله سبحانه: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } ..
أما قال سبحانه: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ..
تقول: وبين أنا على تلك الحال إذ وجدت برد دلو على صدري ..
فأخذته فشربت منه جرعة واحدة ..
ثم انتُزع فنظرت _ وهي التي فقدت بصرها _ فنظرت فإذا هو معلق بين السماء والأرض ، فلم أقدر عليه ..
ثم تدلى ثانية فشربت منه جرعة ..
ثم تدلى ثالثة فشربت حتى رويت وأرقت على رأسي ووجهي وثيابي ..
خرج أهل زوجي ونظروا إليَّ على تلك الحال ..
وقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله ..
فقلت بكل عزة وثبات ..
قلت بكل عزة وثبات ..
عدو الله غيري ..
إنه من خالف دين الله وعصى أوامره ..
ثم قلت: أمّا هذا الذي تتساءلون عنه فهو من عند الله عز وجل ..
رزق رزقنيه الله ..
الله الذي { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } ..
الله الذي قال: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ..
قريب ..
أسمع وأجيب ..
وأعطي البعيد والقريب ..
وأرزق العدو والحبيب ..
قريب ..
أغيث اللهفان ..
وأُشبع الجوعان ..
وأسقي الظمآن ..
وأتابع الإحسان ..
قريب ..
عطائي ممنوح ..
وخيري يغدو ويروح ..
وبابي مفتوح ..
وأنا حليم كريم صفوح ..
قريب ..
يدعوني الغريق في البحار ..
والضال في القفار ..
والمحبوس خلف الأسوار ..
كما دعاني عبدي في الغار ..
قريب ..
فرجي في لمحة البصر ..
وغوثي في لفتة النظر ..
المغلوب إذا دعاني انتصر ..
سبحانه ..
اطلع فستر ..
وعلم فغفر ..
وعُبد فشكر ..
وأوذي فصبر ..
سبحانه لا إله إلا هو ..
قلت: أما هذا الذي تتساءلون عنه فهو من عند الله عز وجل ..
رزق رزقنيه الله ..
الله الذي { يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } ..
هنا انطلق أهل زوجي سراعًا إلى قرابهم المملوءة بالماء وإلى أوعيتهم الأخرى يستجلون الخبر ، فعند القراب والأوعية الخبر اليقين ..
وجدوها موكوءة لم تُحل ..
فعادوا لها وقالوا: نشهد بأن ربك هو ربنا وإن الذي رزقك في هذا الموضوع وفي هذا المكان بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الذي شرع هذا الدين العظيم ..
هو الإله الحق ..
ثم أسلموا وهاجروا جميعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
بثباتها ، وعزتها ، وموقفها الشديد أسلم القوم ..
أسلم القوم ، وظهر لهم الحق ..
إنه درس على الثبات والإيمان الذي جعل الؤمنات كالجبال الراسيات ..
فلا عذاب ولا تهديد يجعلهنّ يقدمنّ أي تنازلات ..
بل إباء ، وشموخ ، وثبات ..
أما قال بلال وهو الذي ذاق أمرّ العذاب لما سُأل: كيف تحملت كل هذا العذاب ؟؟..
قال: مُزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان ..
كرر عليَّ حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي
في الصحيح عن أنس بن مالك قال:
( ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان _ وفي رواية: ذاق حلاوة الإيمان _ ..
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ..
وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ..
وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار)..
أخية ..
إنَّ الإيمان ..
ليس بالتمني ولا بالتحلي ..
ولكن بما وقر في القلب ..
وصدقه اللسان ..
وعملت به الجوارح والأركان ..
يزيد بالطاعة ..
وينقص بالعصيان ..
أيتها الغالية ..
إن الإله هو الذي يألهه العباد ..
حبًا ..
وذلًا ..
وخوفًا ..
ورجاءً ..
وتعظيمًا ..
وطاعةً له ..
بمعنى: مألوه وهو الذي تألهه القلوب ..
أي تحبه وتذل له ..
أيتها الغالية ..
إنَّ العقول تحكم بوجوب ..
تقديم محبة الله ..
على محبة الناس ..
على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما سواه ..
وكل من لم يحكم عقلها بهذا فلا تأبه لعقلها ..
فإنَّ العقل ، والفطرة ، والنظر تدعو كلها ..
إلى محبته سبحانه ..
بل إلى توحيده في المحبة ..
وإنما جاءت الرسل التقرير ما في الفطر والعقول كما قيل ..
هب الرسل لم تأتِ من عند
أليس من الواجب المستحق
فمن لم يكن عقله آمرًا بذا
وإنَّ العقول لتدعو إلى
أليست على ذلك مجبولة
أليس الجمال حبيب القلوب
فيا منكرًا ذاك والله أنت
ويا من يوّحد محبوبه
حظيت وخابوا فلا تبتئس
... ... ولا أخبرت عن جمال الحبيب
محبته في اللقا والمغيب
ما له في الحجا من نصيب
محبة فاطرها من قريب
ومفطورة لا لكسب غريب
لذات الجمال وذات القلوب
عين الطريد وعين الحريب
ويرضيه في مشهد أو مغيب
بكيد العدو وهجر الرقيب
-اسمعي أمة الله ..
اسمعي أماه ..
اسمعي أختاه ..
عن المحبات الصادقات ..
وتساءلي وقولي أين نحن من هؤلاء ؟!..
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشَّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ..
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
( أتاني جبريل فقال: يا رسول الله هذه خديجة أتتك ومعها إناء فيه طعام وشراب فإذا هي أتتك فأقرأ عليها من ربها السلام ومني ) ..
اله أكبر ..
ربها يقرؤها السلام ..
نزلت عليه - صلى الله عليه وسلم - آيات سورة المزمل بأمر الله عز وجل نبيه بقيام الليل ..
فقام _ بأبي هو وأمي _ وقامت معه خديجة وقام الصحابة اثنا عشر شهرًا حتى انتفخت أرجلهم ..
ثم نزل التخفيف لما رأى الله صدقهم فقال سبحانه: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } ..
أما قال عنها - صلى الله عليه وسلم -:
( آمنت بي يوم كفر بي الناس ..
وآوتني يوم طردني الناس ..
وصدقتني يوم كذبني الناس ..
وأعطتني مالها يوم حرمني الناس ) ..
فلا عجب أن يقرؤها ربها السلام ..
ها هي الصدّيقة بنت الصدّيق المبرأة من فوق سبع سماوات ..
يقول القاسم:
( كانت عائشة تصوم الدهر ) ..
وقال أيضًا:
( كنت إذا غدوت _ يعني إذا أصبحت _ أبدأ ببيت عائشة رضي الله عنها ؛ فأُسلّم عليها ، فغدوت يومًا فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } ..
تدعو وتبكي وتردد ..
فانتظرت حتى مللت الانتظار ..
فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي في مكانها قائمة تصلي تبكي وتردد: { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ، فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} ) ..
تأملي يا رعاك الله ..
إذا كان هذا نهارها ..
فكيف تكون إذا جنَّ عليها الليل !!..
فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد العابدين ..
فالصدّيقة العالمة بليله وقيامه ووتره سيدة المتهجدات ..
{ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ } ..
أما بنت الفاروق حفصة فقال أنس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
( قال جبريل راجع حفصة فإنها صوّامة قوَّامة ) ..
وقال نافع: ماتت حفصة حتى ما تفطر ..
أخيه ..
من علمت وأيقنت أنَّ ..
آخر العمر إلى اللحد ..
لم تنشغل بتزيين المهد ..
-سؤال ..
ونحن في هذا المكان ..
كيف تكون أول ليلة في الزفاف والعرس !!..
اسمعي وقولي ..
{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } ..
لما أُهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم ..
أدخله ابن أخيه الحمام ..
ثم أدخله بيتًا مطيبًا فيه العروس ..
فقام يصلي حتى أصبح ؛ وقامت معاذة خلفه ..
فما أصبحا عاتبه ابن أخيه على فعله فقال له:
إنك أدخلتني بيتًا أذكرتني به النار ..
ثم أدخلتني على تلك العروس فتذكرت الجنة ..
فما زالت فكرتي فيها حتى أصبحت ..
لله درهم ..
كم علت بهم هممهم ..
وأي كلام يترجم فعالهم ..
امرأة تحي الله كله ليلة بنائها ..
فما بال النسوة في زماننا ؟!..
بل ما بال الرجال في هذا الزمان ؟؟!!..
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحيّ غير نسائها
كانت رحمها الله إذا جاء النهار قالت:
هذا يومي الذي أموت فيه ..
فما تنام حتى تمسي ..
فإذا أمست وجاء الليل قالت:
هذه ليلتي التي أموت فيها ..
فلا تنام حتى تصبح ..
اسمعي ما قاله ثابت البناني عن خبرها يوم أن بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها ..
إنها مصيبة عظيمة ..
لكن على المؤمنات أبدًا ما تكون ..
فأتت النساء يواسينها في مصابها فقالت:
مرحبًا بكن إن كنتن جئتن لتهنئنني ..
وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن من حيث أتيتن ..
الله أكبر ولله درها ..
أي صنف من النساء هذه التقية النقية ..
لا عجب ..
فهي تلميذة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..
جئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع..
يقول الحسن:
لما مات زوجها شهيدًا لم توّسد فراشًا بعده ..
قالت لابنتها من الرضاعة:
والله يا بنية ..
ما محبتي للبقاء في الدنيا ..
للذيذ عيش ..
ولا لرَوْح نسيم ..
ولكن والله أحب البقاء ..
لأتقرّب إلى ربي عز وجل بالوسائل ..
لعله يجمع بيني وبين أبي لصهباء وولده في الجنة ..
تقول عنها عفيرة العابدة:
لما احتضرها الموت _ يعني معاذة _ لما احتضرها الموت بكت ثم ضحكت ..
فقيل لها: بكيت ثم ضحكت ؛ فممَ البكاء ، وممَ الضحك ؟!..
قالت:
أما البكاء الذي رأيتم ..
فإني ذكرت مفارقة الصيام ، والصلاة ، والذكر ..
فكان البكاء لذلك ..
وأما الذي رأيتم من تبسمي وضحكي ..
فإني نظرت إلى أبي الصهباء قد أقبل في صحن الدار عليه حلتان خضراوتان ، وكان في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبهًا ..
فضحكت إليه وضحك إلي ..
ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضًا معكم ..
قالت: فماتت قبل أن يدخل عليها وقت الصلاة التالية ..
سبحان الله ..
بكت لكن على ماذا بكت !!!..
بكت على فراق ..
الصيام ..
والصلاة ..
والذكر ..
وأنت أيتها الغالية على ماذا تبكين ؟؟!!..
وأنت أيتها الغالية على ماذا تبكين ؟؟!!..
ما هي همومك وفيما أحزانك ؟؟!!..
على ماذا تلك الدمعات الغالية ؟؟!!..
من أجل من تذرفينها ؟؟!!..
قومٌ مضوا كانت الأيام بهم نزهًا
ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم
... ... والعيد كالعيد والأوقات أوقات
ونحن في صور الأحياء أموات
-أخيه إن أول علامات الإيمان ..
هو حب الله جل وعلا ..
وحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ..
ولما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوة ..
قال سبحانه: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } ..
فتأخر الخلق كلهم ..
وثبت أتباع الحبيب في ..
أفعاله ..
وأقواله ..
وأخلاقه ..
اسمعي يا رعاك الله ..
ماذا قالوا عن المحبة التي هي من مقتضى ومن شروط لا إله إلا الله ..
قال عبد الله القرشي:
المحبة: هي أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شيء ..
معنى كلامه أن تهبي ..إرادتك ، وعزمك ، وأفعالك ، ونفسك ، ومالك ، ووقتك لمن تحببنه ، وتجعلينها حبسًا ووقفًا في مرضاته ومحابه فلا تأخذي لنفسك منها إلا ما أعطاك هو ..
فتأخذيه منه ، ومن أجله ..
قالوا: المحبة الميل الدائم بالقلب الهائم ..
وقالوا: المحبة إيثار المحبوب على جميع المصحوب ..
ومن أجمل ما قيل ما ذكره أبو بكر الكتاني ..
قال: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم فتكلم الشيوخ في المحبة ، وكان الجنيد أصغرهم سنًا ، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي ؟!..
فأطرق رأسه ، ودمعت عيناه ثم قال:
المحب:
عبد ذاهب عن نفسه ..
متصل بذكر ربه ..
قائم بأداء حقوقه ..
ناظر إليه بقلبه ..
فإن تكلم ..فبالله ..
وإن نطق ..فعن الله ..
وإن تحرك ..فبأمر الله ..
وإن سكن ..فمع الله ..
فهو ..
بالله ..
ولله ..
ومع الله ..
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد ..
المحب الصادق ..
إذا تكلم ..فمن أجل الله ..
وإذا سكت ..فمن أجل الله ..
وإذا أعطى ..فمن أجل الله ..
إذا منع ..فمن أجل الله ..
فهو ..
بالله ..
ولله ..
ومع الله ..
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد ..
ذكر ابن القيم رحمه الله عشرة أمور توصل إلى محبة الله تبارك وتعالى:
أولها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أُريد به ..
ثانيًا: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ..
ثالثًا: دوام ذكره على كل حال بالقلب واللسان ..
رابعًا: إيثار محابه على محابك ..
خامسًا: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ..
سادسًا: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة ..
السابع: وهو أعجبها _ كما قال _ انكسار القلب بكيلته بين يدي الله تعالى..
ثامنها: الخلوة به وقت النزول الإلهي ، لمناجاته ، وتلاوة كتابه ، والوقوف بالقلب ، والتأدب بأدب العبودية بين يديه ..
تاسعًا: مجالسة المحبين الصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم ؛ كما تنتقى أطايب الثمر ..
عاشرًا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل ..
-وإليك مزيد من أخبارهن ..
وقولي وكرري: أين نحن من هؤلاء ؟؟!!..
أيتها الغالية ..
أمًّا كنت ..
أم أختًا ..
على ماذا نربي أبناءنا اليوم ؟!..
وما هي الأمنيات التي نتمناها لهم ؟!..
أما قال سبحانه: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} ..
فوصى الآباء بالأبناء قبل أن يوصي الأبناء بالآباء ..
انظري حولك في واقع الأنباء في هذه الأيام لتعرفي مقدار المأساة !!..
أما أولئك كيف ربوا أبناءهم ، وماذا علموهم ، وماذا أعدوهم له ؟..
اسمعي وافتحي القلب قبل أن تفتحي الأذنين ..
جاء في السير ..
أنه كان في البصرة نساء عابدات ..
وكانت منهنَّ أم إبراهيم الهاشمية ..
فأغار العدو على ثغر من ثغور المسلمين فانتُدب الناس للجهاد ..
فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيبًا فحضهم على الجهاد ..
كانت أم إبراهيم هذه حاضرة في مجلسه ..
وتمادى عبد الواحد في كلامه ..
ثم وصف الحور العين وذكر ما قيل فيهنَّ وأنشد في صفة حوارء ..
غادةٌ ذات دلال ومرح
خُلقت من كل شيء حسن
زانها الله بوجه جمعت
وبعين كحلها من غنجها
ناعم تجري على صفحته
... ... يجد الناعت فيها ما اقترح
طيب فالليت فيها مطّرح
فيه أوصاف غريبات المُلح
وبخد مسكه فيه رشح
نظرة الملك ولألاء الفرح
فهاج المجلس وماج الناس بعضهم في بعض واضطربوا ..
فوثبت ام إبراهيم من وسط الناس وقالت لعبد الوحد:
يا أبا عبيد ألست تعرف ولدي إبراهيم ورؤساء أهل البلد يخطبونه على بناتهم وأنا أضنّ به عليهم ..
فلقد والله أعجبتني هذه الجارية ..
وأنا أرضاها عروسًا لولدي ..
فكرر ما ذكرت من حسنها وجمالها ..
فأخذ عبد الواحد في وصف الحوراء فأنشد ..
تولد نور النور من نور وجهها
فلو وطأت بالنعل منها على الحصى
ولو شئت عقد الخصر منها عقدته
ولو تفلت في البحر شهد رطابها
... ... فمازج طيب الطيب من خالص العطر
لأعشبت الأقطار من غير ما قطر
كغصن من الريحان ذو ورق خضر
لطاب لأهل البرّ شرب من البحر
فاضطرب الناس أكثر مما اضطربوا ..
فوثبت أم إبراهيم وقالت لعبد الواحد:
يا أبا عبيد قد والله أعجبتني هذه الجارية ..
وأنا أرضاها عروسًا لولدي ..
فهل لك أن تزوجه منها وتأخذ مهرها عشرة آلاف دينار ..
ويخرج معك إبراهيم في هذه الغزوة ..
فلعل الله يرزقه الشهادة فيكون شفيعًا لي ولأبيه يوم القيامة ..
فقال لها عبد الواحد:
لئن فعلت _ والله _ لتفوزنّ أنت وولدك وأبو ولدك ..
والله لتفوزنّ فوزًا عظيمًا ..
فنادت ولدها: يا إبراهيم ..
فوثب من وسط الناس وقال لها:
لبيك يا أماه ..
فقالت: أي بني أرضيت بهذه الجارية زوجة لك ببذل مهجتك في سبيل الله وترك العود في الذنوب ..
فقال الفتى: أي والله ..أي والله يا أماه رضيت أي رضًا ..
فقالت: اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي هذا من هذه الجارية ..
الثمن ببذل مهجته في سبيلك وترك العود في الذنوب ..
فتقبله هدية مني لك يا أرحم الراحمين ..
ثم انصرفت ..
ثم رجعت فجاءت بعشرة آلاف دينار ..
وقالت: يا أبا عبيد هذا مهر الجارية تجهز به وجهَّز الغزاة في سبيل الله ..
ثم انصرفت فاشترت لولدها فرسًا وسلاحًا جيدًا ..
فلما خرج عبد الواحد ..
خرج إبراهيم رغم صغر سنه يعدو والقراء حوله يقرأون { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } ..
فلما أرادت أم إبراهيم فراق ولدها ..
دفعت إليه كفنًا وحنوطًا وقالت له:
أي بني إذا أردت لقاء العدو فتكفَّن بهذا الكفن وتحنَّط بهذا الحنوط وإياك ثم إياك أن يراك الله مقصرًا في سبيله ..