فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 145

عبد العزيز بن سعد الدغيثر

النجاح طموح سامٍ يتمناه كل إنسان، ولذا فإن الله تعالى وجه هذه الغريزة الإنسانية والفطرة البشرية لأن تكون ضمن إطارها الصحيح.

وتجد ذلك جليا في دعاء عباد الرحمن الذين نالوا رضاه تعالى ومن ثم النعيم الدائم في جنان الخلد، ومن دعائهم:"وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" (الفرقان: من الآية74) .

وإمامة المتقين لا تكون إلا لمن نال قدرًا كبيرًا من التقوى والعلم، ولكن العلم لا يستطاع براحة الجسد، بل لا بد من بذل الجهد العظيم والوقت الكثير لتحصيل ذلك العلم.

فإن العلم بالوحيين من إرادة الله الخير للعبد كما في قوله تعالى:"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" (البقرة: من الآية269) ، وكما في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية.

والعلم بالشرع طريق إلى الجنة كما في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"رواه أبو داود والترمذي وحسنه الأرناؤؤط، وحيث إن أصحاب المذاهب المتبوعة قد وصلوا إلى درجة عليا من الإمامة في الدين، فقد بدأت بأولهم زمنا وأكثرهم أتباعا وهو الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - تعالى.

نبذة عن التعريف بالإمام:

هو الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، ولد - رحمه الله - سنة 80 هـ، كان أبو حنيفة - رحمه الله - خزازًا يبيع الخز والأقمشة، وعن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة ربعة من أحسن الناس صورة وأبلغهم نطقا وأعذبهم نغمة وأبينهم عما في نفسه.

ويعد أبو حنيفة من صغار التابعين الذين يشملهم حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"رواه البخاري ومسلم.

وقد روى عن خلق كثير منهم: عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له وأفضلهم على ما قال وعن الشعبي وعن جبلة بن سحيم وعدي بن ثابت وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعمرو بن دينار وأبي سفيان طلحة بن نافع ونافع مولى ابن عمر وقتادة وقيس بن مسلم وعون بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وآخرين.

أما أكبر شيوخه في الفقه فهو هو حماد بن أبي سليمان، لدرجة أن الذهبي قال عن حماد: وبه تفقه، مما يدل على أنه لازمه ملازمة كبيرة بحيث عرف به. وسبب الملازمة الطويلة لحماد قصة ذكرها من ترجم له، فقد رووا عن أبي حنيفة أنه قال: قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت علي نفسي ألا أفارق حمادًا حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة.

منزلته العلمية:

الثناء على أبي حنيفة في فقهه وتدينه وورعه وصدقه مبثوث في كتب الجرح والتعديل، قال محمد بن سعد العوفي سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ.

وقال صالح بن محمد سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة في الحديث وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن ابن معين كان أبو حنيفة لا بأس به وقال مرة هو عندنا من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا، وذكره ابن حبان في معرفة الثقات، إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن أبا حنيفة لم يكن من المتخصصين في رواية الحديث مع جلالته، ولذا طعن عليه جمع من أهل الحديث لوجود الخطأ في رواياته..

أما في الفقه: فقد قال الذهبي: وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك. قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وفي ترجمته من تهذيب الكمال عن روح بن عبادة قال: كنت عند بن جريج سنة خمسين يعني ومئة وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وتوجع وقال: أي علم ذهب؟

وأما في العقيدة: فلم يغفل الإمام أبو حنيفة جانب العقيدة، فقد كان له مع المبتدعة صولات وجولات، فله مناظرات معهم تدل على فهم سلفي وبعد عن البدع في الجملة.

روى الخطيب بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحب عليًا وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلم في القدر، وكان يمسح على الخفين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم.

وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولن أحدٌ بقوله، ولا يصلين أحدٌ خلفه.

وأما تعظيمه للنصوص: فقد كان أبو حنيفة من أشد المعظمين للنصوص، وقد جعل منهجه ولمن تبعه أن يقدم النص على كل قول، فقد روى نوح الجامع عن أبي حنيفة أنه قال ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.

وقال وكيع: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس.

وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما يحفظه من وقت ما سمعه.

طلابه:

وللإمام أبي حنيفة طلاب ملازمون، أخذوا عنه الفقه وطريقة الاستنباط، كما أن له طلابًا أخذوا عنه الرواية، فممن تفقه عليه زفر بن الهذيل وداود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي ونوح الجامع وأبو مطيع البلخي وغيرهم كثير جدًا.

مكانته في نظر معاصريه:

ولأبي حنيفة - رحمه الله - تأثير كبير فيمن عاصره، ونجد ذلك منثورا في طيات كلامهم عنه، فنجد عبد الله بن المبارك يقول: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس. وعنه قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة. وقال أيضًا كما في (تهذيب الكمال) : أفقه الناس أبو حنيفة ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله

وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل.

وقال عبدالله بن داود الحربي ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنة عليهم وقال سفيان الثوري وابن المبارك كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض.

ولما انتقد بعض المثبطين القاسم بن معن في جلوسه مع صغار الطلبة بين يدي أبي حنيفة، بطريقة استفزازية، نجد الرد المليء بالحب والإعجاب بهذا العالم المربي، فقد قيل للقاسم بن معن ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة قال ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة وقال له القاسم تعال معي إليه فلما جاء إليه لزمه وقال ما رأيت مثل هذا.

وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه.

وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

وروى حيان بن موسى المروزي قال: سئل ابن المبارك، مالك أفقه أو أبو حنيفة قال: أبو حنيفة.

وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

علاقته بالحكام:

ابتلي أبو حنيفة بالسلطة السياسية في وقته فقد جربوا معه فتنة المال وفتنة السجن فلم يهتز أو يتأثر، قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا أورع من أبي حنيفة وقد جرب بالسياط والأموال.

وفد كان لأبي حنيفة مصادمات مع الولاة، فقد كان يرفض الأوامر الخاصة كتوليته القضاء، وقد روي من غير وجه أن الإمام أبا حنيفة ضرب غير مرة على أن يلي القضاء فلم يجب، فقد كان ابن هبيرة قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعدي فأبى وضربه مئة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة وأصر على الامتناع فخلى سبيله، وكان الإمام أحمد إذا ذكر ذلك ترحم عليه.

وعن مغيث بن بديل قال دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه فقال: لا أصلح، قال: كذبت. قال: فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذبًا فلا أصلح وإن كنت صادقًا فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه.

محفزات للاستمرار:

من توفيق الله تعالى أن تهيأت له أسباب لطلب العلم والاستمرار فيه، فمن تلك الأسباب:

فقد وفقه الله تعالى للتعلم على يد حماد الفقيه وملازمته السنوات الطوال.

ومن ذلك استغناؤه بالتجارة عن الحاجة للولاة ومنتهم، قال الذهبي عنه: كان لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب، وفي شذرات الذهب: وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع وأجراء - رحمه الله - تعالى. وهذا يدل على أنه لم تشغله التجارة عن العلم، بل يشرف على عملهم ويستعين بالثقات في إدارة تجارته.

وفي الرؤى مبشرات للمؤمنين، فقد جاء عنه أنه قال: رأيت رؤيا أفزعتني رأيت كأني أنبش قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيت البصرة فأمرت رجلا يسأل محمد بن سيرين فسأله فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

مظاهر القدوة في شخصية أبي حنيفة:

احترامه وتقديره لمن علمه الفقه، فقد ورد عن ابن سماعة، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صليت صلاة مُذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا، أو علمته علما.

ومن السمات المميزة لأبي حنيفة سخاؤه في إنفاقه على الطلاب والمحتاجين وحسن تعامله معهم، وتعاهدهم مما غرس محبته في قلوبهم حتى نشروا أقواله وفقهه، ولك أن تتخيل ملايين الدعوات له بالرحمة عند ذكره في دروس العلم في كل أرض. نسأل الله من فضله، ونسأل الله لإمامنا أن يتغمده بواسع رحمته، ومن عجائب ما ورد عنه أنه كان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؛ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي فما في رزق الله حول لغيره. وحدث حجر بن عبد الجبار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكرامًا لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده.

ومن أشد مظاهر القدوة في شخصيته تصحيحه لمفاهيم مخالفيه بالحوار الهادئ وقد كان التعليم بالحوار سمة بارزة لأبي حنيفة، وبه يقنع الخصوم والمخالفين

حرصه على هيبة العلم في مجالسه، فقد ورد عن شريك قال كان أبو حنيفة طويل الصمت كثير العقل.

الاهتمام بالمظهر والهيئة، بما يضفي عليه المهابة، فقد جاء عن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: كان أبي جميلا تعلوه سمرة حسن الهيئة، كثير التعطر هيوبًا لا يتكلم إلا جوابًا ولا يخوض - رحمه الله - فيما لا يعنيه. وعن ابن المبارك قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وحلمًا من أبي حنيفة.

كثرة عبادته وتنسكه - رحمه الله -، فقد قال أبو عاصم النبيل كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته، واشتهر عنه أنه كان يحيى الليل صلاة ودعاء وتضرعا. وذكروا أن أبا حنيفة - رحمه الله - صلى العشاء والصبح بوضوء أربعين سنة. وروى بشر بن الوليد عن القاضي أبي يوسف قال بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلًا يقول لآخر هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنفية والله لا يتحدث عني بما لم أفعل فكان يحيى الليل صلاة وتضرعا ودعاء، ومثل هذه الروايات عن الأئمة موجودة بكثرة، والتشكيك في ثبوتها له وجه، لاشتهار النهي عن إحياء الليل كله، وأبو حنيفة - رحمه الله - قد ملأ نهاره بالتعليم مع معالجة تجارته، فيبعد أن يواصل الليل كله. ولكن عبادة أبي حنيفة وطول قراءته أمر لا ينكر، بل هو مشهور عنه - رحمه الله -. فقد روي من وجهين أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة.

خوفه من الله تعالى، فقد روى لنا القاسم بن معن أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى"بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر"القمر 46 ويبكي ويتضرع إلى الفجر.

ومن مظاهر القدوة شدة ورعة، وخصوصا في الأمور المالية، فقد جاء عنه أنه كان شريكًا لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا، فإذا بعته، فبين. فباع حفص المتاع، ونسى أن يبين، ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.

تربيته لنفسه على الفضائل كالصدقة، فقد ورد عن المثنى بن رجاء أنه قال جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقا أن يتصدق بدينار وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.

وله - رحمه الله - حلم عجيب مع العوام، لأن من تصدى للناس لا بد وأن يأتيه بعض الأذى من جاهل أو مغرر به، ومن عجيب قصصه ما حكاه الخريبي قال: كنا عند أبي حنيفة فقال رجل: إني وضعت كتابا على خطك إلى فلان فوهب لي أربعة آلاف درهم فقال أبو حنيفة إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه. وقد شهد بحلمه من رآه، قال يزيد بن هارون ما رأيت أحدا أحلم من أبي حنيفة، وكان ينظر بإيجابية إلى المواقف التي ظاهرها السوء، فقد قال رجل لأبي حنيفة اتق الله فانتفض واصفر وأطرق وقال جزاك الله خيرا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا، وجاء إليه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز، فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا، فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، إن شاء الله تعالى، فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهمًا، فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ، قال: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين دينارًا، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق.

الجدية والاستمرار وتحديد الهدف، فقد وضع نصب عينيه أن ينفع الأمة في الفقه والاستنباط، وأن يصنع رجالا قادرين على حمل تلك الملكة.

ترك الغيبة و الخوض في الناس فعن ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. بل بلغ من طهارة قلبه على المسلمين شيئا عجيبا، ففي تاريخ بغداد عن سهل بن مزاحم قال سمعت أبا حنيفة يقول:"فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"قال: كان أبو حنيفة يكثر من قول: اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له.

ومن أهم مظاهر القدوة في شخصيته حرصه على بناء شخصيات فقهية تحمل عنه علمه، وقد نجح أيما نجاح. ومن طريف قصصه مع تلاميذه التي تبين لنا حرصه على تربيتهم على التواضع في التعلم وعدم العجلة، كما في (شذرات الذهب) : لما جلس أبو يوسف - رحمه الله - للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة أرسل إليه أبو حنيفة رجلا فسأله عن خمس مسائل وقال له: إن أجابك بكذا فقل له: أخطأت، وإن أجابك بضده فقل له: أخطأت فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة فقال"تزبيت قبل أن تحصرم"يعنى تصدرت للفتيا قبل أن تستعد لها فجعلت نفسك زبيبا وأنت لازلت حصرما.

ومن أشد مظاهر القدوة في شخصيته تصحيحه لمفاهيم مخالفيه بالحوار الهادئ وقد كان التعليم بالحوار سمة بارزة لأبي حنيفة، وبه يقنع الخصوم والمخالفين، وروى أيضا عن عبد الرزاق قال: شهدت أبا حنيفة في مسجد الخيف فسأله رجل عن شيء فأجابه فقال رجل: إن الحسن يقول كذا وكذا قال أبو حنيفة أخطأ الحسن قال: فجاء رجل مغطى الوجه قد عصب على وجهه فقال: أنت تقول أخطأ الحسن ثم سبه بأمه ثم مضى فما تغير وجهه ولا تلون ثم قال: إي والله أخطأ الحسن وأصاب بن مسعود.

ومن مظاهر القدوة عدم اعتقاده أنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن غيره من العلماء على خطأ، فقد جاء في ترجمته في تاريخ بغداد عن الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول: سمعت أبا حنيفة يقول قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا.

وفاته:

قال الذهبي: توفي شهيدًا في سنة خمسين ومئة وله سبعون سنة، وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري لم يقبل العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات في السجن - رحمه الله -.

أهم مراجع الموضوع:

سير أعلام النبلاء للذهبي

شذرات الذهب لابن العماد

تذكرة الحفاظ - للذهبي

المنتظم - لابن الجوزي

البداية والنهاية لابن كثير

وفيات الأعيان - لابن خلكان

الطبقات السنية في تراجم الحنفية - للغزي

2 19/2/1427هـ

12/2/1427هـ

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت