هناك أمور كثيرة وملحّة لطرح مثل هذا الموضوع قد تأتي الإشارة إليها ...
لكن من المهم الذي ينبغي أن نعرفه أن الداعية لا بد أن يكون متميزًا في أسرته متميزًا في التعامل معهم ، متميزًا في اختيار أسرته ، تميّزا لا يخرجه عن المألوف أو عن الحدود الشرعية وإنما تميزا في ظل الشريعة الغراء ، فإن أهل السنة قلّة في الناس ، والدعاة منهم الى الحق قلّة فيهم ، لذلك لزم تميّزهم عن غيرهم لا لذواتهم وإنما للحق الذي معهم الذي يدعون إليه ..
وهذه سلسلة حول موضوع: أسرة الداعية ، ومهمّات الداعية إلى الله تجاه أسرته:
الحلقة الأولى: أهمية الأسرة المسلمة - عمومًا _ الأسرة مملكة مصغّرة ، هي نواة المجتمع وأساسه ، باستقرار الأسرة تستقر أحوال المجتمعات ، وبصلاحها صلاح الأمم ، وبفسادها فساد المجتمع . ولأجل ذلك عظّم الله شأن الأسرة ورفع مكانتها .
والداعية إلى الله بحاجة إلى أن يعيش حياة الاستقرار التي تعينه على القيام بأعباء دعوته ، والاستمرار في خدمة عقيدته ، وحتى يكون كذلك فقدكان الزواج سبيلًا وطريقًا هنيئًا مريئًا - لمن يسره الله له - لأن يعيش الداعية حياة العطاء المستمر والعمل الدؤوب ،حيث يجدمن يشاطره همّه ، ويبادله أمره وشأنه .
أهمية الأسرة تكمن في أمور:
1 -أن الناكح يريد العفاف يسهل له أمره: ومن هنا ندرك الحكمة في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه - بأبي هو وأمي -:"ثلاثة حق على عونهم.. .... -وذكر منهم: الناكح يريد العفاف .."، والله جل في علاه قد قال في كتابه:".. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله .."عهد على الله ووعد منه لمن أراد النكاح للعفاف أن ييسره الله عليه ، وذلك مما يدل على أهمية العناية بالأسرة من جهة الشريعة .
2-أن الله جل وتعالى بيّن في كتابه الهدف الأسمى من النكاح وذلك في قوله:"وجعل بينكم مودة ورحمة .."فالنكاح لا لإشباع الغريزة السبعية في الإنسان وإنما لتحقيق"المودة والرحمة"بكل ما تعنيه هذه الصفات .
3 -أن الله جل وعزّ عظّم شأن الأسرة فأنزل سورة كاملة بيّن فيها الحقوق الأسرية من حين تكوينها إلى ما يكون بعد انتهاء أحد طرفيها ( بالموت ) ،وذلك في سورة عظيمة اسمها سورة النساء ، وقد افتتحها الله تعالى بقوله:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا"، وللأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله كلام نفيس حول هذه الآية فلينظر إليه .
وإتماما لرعاية حق الأسرة فقد أنزل سورة أخرى تسمى ( بالنساء الصغرى ) بيّن فيها ما يتعلق بالأسرة إذا انتهت ( بالطلاق ) ، فأنزل هذه السورة العظيمة ، ولشدة رعاية أمر الأسرة فقد كرر الله فيها الأمر بالتقوى في أكثر من خمس مرات ، ويعيد ويذكّر بالتقوى في أكثر من أربعين موضعًا - تلميحًا - في السورة نفسها على قصر آياتها ،وكل ذلك تعظيمًا لشأن هذه الأسرة والحفاظ عليها ،ولعل الإنسان حين يقرأ قول الله تعالى ك"وكأيّن من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذّبناها عذابًا نكرا ، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرًا .."يستغرب وله أن يتساءل ، ما علاقة ضرب هذا المثل في معرض الكلام حول الطلاق وما يتعلق به ، والناظر المتأمل يجد في الآية قوة في الأمر بالحفاظ على الأسرة ، وبيان ذلك:
أن الله جل وعز يذكّر الرجل الذي جعل الله في يده القوامة والأمر ، بأن يحسن عشرته مع زوجه التي هي ( أسيرة بين يديه ) فإن أحسن شأنها وأمرها فإن الله يبارك له ، أما إن تسلّط وتجبّر مستغلا ما أعطاه الله من السلطة والأمر ، فإن الله أخذه أخذ عزيز مقتدر ، فكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فلم تلتزم أمر الله ورسله فإن الله يحاسبها حسابًا شديدا ، وفي هذا أمر شديد ووعيد رهيب في تضييع الأسرة وتفككها دون أي مسبب شرعي ، وتلك حكمة من الله بالغة .
الحلقة الثانية من الموضوع: أهمية الاستقرار الأسري بالنسبة للداعية .
الداعية الى الله الصادق في دعوته بحاجة إلى من يعينه على أعباء الدعوة ومتطلباتها ، وحين يكون هذا المعين قريبًا من الداعية كان ذلك أسكن لنفسه وأقر لعينه ، ولذلك لما بعث الله موسى عليه السلام إلى فرعون قال:"رب اشرح لي صدري . ويسر لي أمري . واحلل عقدة من لساني . يفقهوا قولي . واجعل لي وزيرًا من أهلي . هارون أخي . أشدد به أزري . وأشركه في أمري . كي نسبحك كثيرًا . ونذكرك كثيرًا ."
ويعجب المتعجب حين يقرأ هذا الكلام الرباني ، ويقرأ فيه تعطف موسى عليه السلام ورجاءه ربه أن يجعل له وزيرًا من أهله . لماذا ؟
لشدّ الأزر ، وتكون النتيجة:"كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا"
الداعية إلى الله في قلبه همّ عظيم ، هم الدعوة وإيصال الخير للناس ،وهذا الهمّ قد يتملك لب الداعية ووقته وجهده ، فحين يجد من يسنده ويؤيده يبارك الله له في عمله وجهده .
وتبرز أهمية الأسرة بالنسبة للداعية في أمور:
1 -أن الأسرة توفّر للداعية الصادق نصف الجهد ، وتعينه على النصف الآخر .
2-يُبرز أهمية الأسرة للداعية قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه جبريل عليه السلام في الغار وضمه إليه ، فجاء إلى خديجة رضي الله عنها فأخبرها الخبر ، فهدأت من روعه ، وطمأنت نفسه ، وسعت في تفريج ما حلّ بزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وفي الحقيقة أن هذه القصة بحاجة إلى مزيد تأمل وخصوصًا من زوجات الدعاة إلى الله وذلك لاستخراج درر الدروس ونفائس العبر من هذه الحادثة التي كانت بداية الجهاد والدعوة ، والوقوف على أهمية الدور المنشود من الزوجة الداعية .
دواعي طرح الموضوع:
1 -أن الأسرة هي مملكة الداعية الأولى ومنطلقه ، ( وانذر عشيرتك الأقربين ) ، فحين تصحّ هذه المملكة ، ويستقيم أمرها فإنها تصير مدرسة للدعاة .
2 -انشغال كثير من الدعاة إلى الله بدعوة الناس والسعي في مصالح العباد ،وإهمال الأسرة من زوجة وأولاد ، فزوجات الدعاة إلى الله من أشقى الناس بأزواجهم - إلا من رحم الله وقليل ما هم _ في بيت الداعية لا تعرف الزوجة أبجديات في أمور دينها ، في بيوت الدعاة شباب حيارى وبنات متسكعات - إلا من رحم الله - ... في بيوت الدعاة
فكم تسمع عن أبناء الدعاة أنهم من أبعد الناس عن الله - وغالبًا ما يكون ذلك بتفريط الدعاة أنفسهم في حقوق أبنائهم - . سيأتي مزيد بيان لهذه النقطة .
ولذلك صار من الأهمية بمكان طرح مثل هذا الموضوع تنبيها للغافل ، وتحذيرًا من عواقب إهمال الأسرة وجعلها في مهب الريح .
3 -قلّة العناية بطرح مثل هذا الموضوع من قبل المختصين ، من الموجهين والمربين والدعاة .
4-كثرة المشاكل الأسرية في بيوت الدعاة ، وعدم استقرار الحياة الزوجية في بيوت الدعاة إلى الله ، مما ينعكس سلبًا في أداء الداعية .
5-أن بعض المحسوبين على الدعوة والدعاة يدخلون إلى الحياة الزوجية على جهل بأعباء هذه الحياة ومتطلباتها ، وعدم تقدير لمسئولية الأسرة مما ينتج عنه مشاكل أسرية .
6 -التساهل في أداء الحقوق الزوجية ، أو تضييعها بحجة الانشغال بالدعوة وأعمال البر . - وخصوصًا بعد دخول هذه الشبكة العنكبوتية داخل البيوت ، فكم يقض الداعية خلف هذه الشاشة من الوقت وعلى حساب من ؟ _
فهل يصح أن نسوّغ ضياع الأبناء ، وجهل الزوجات بالانشغال بالدعوة ؟؟!
7 -ومن أهم دواعي طرح هذا الموضوع - في المقابل - أننا صرنا نرى ونسمع أن الزواج صار مقبرة للدعاة فكم من داعية نشيط ، دؤوب العمل ، لا يمل ولا يكل ، فلما تزوج قيل: ( مات في أحضان زوجته ) فما تراه عن العمل إلا معتذرًا أو متهربًا ، يتحجج بمشاغل الأهل ومسئولية البيت ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان له من الأزواج تسع ، ومع ذلك فقد كان وسطًا في الأمور كلها .فداه أبي وأمي .
وكذلك الأمر ينطبق على الداعيات من النساء ، ما إن تتزوج حتى تتخفف من مسئولية العمل لهذا الدين ، في الأمس كانت لها الصولة والجولة ، واليوم يُترحّم عليها في عداد المفقودات من ساحة العمل الدعوي .
فيا أيها الدعاة إلى الله ( رجالا ونساءً ) انتبهواااااا واستيقضوا !!
لهذه الأسباب ولغيرها كان طرح هذا الموضوع مهمًا جدًا بالنسبة للدعاة ،والعناية به من آكد ما ينبغي أن يعتنى به في هذه الأزمان ، لأننا صرنا وللأسف نشهد ظاهرة سيئة وهي أن بيوت الدعاة صارت تخرّج المخربين من طائشين ، وحملة مبادئ هدامة _ نسأل الله الحماية _ وهذا مما يؤسف له والله المستعان .
والكلام في هذا الباب يأخذ محورين أساسين .
المحور الأول: التعامل بين الزوجين .
المحور الثاني: تربية الأبناء .
وسيأتي تباعًا بيان ذلك .
الحلقة الثالثة: مقومات شخصية الزوج .
قبل الشروع في بيان محوري الأسرة الناجحة ، لا بد من هذه التقدمة المهمة التي نبيّن فيها مقومات أساسية لابد وأن تتوفر في شخصية الزوج حتى يكون أهلًا للقوامة التي كلفه الله بها ، وحين يتخلف أحد هذه المقومات تتأخر السعادة الزوجية والاستقرار الأسري على قدر تخلف هذه المقومات . وهي سبع مقومات:
المقوّم الأول: القدوة .
ومعناها وحقيقتها: أن يوافق الفعل القول ، وهو المعنى الذي أشار الله اليه بقوله:"يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقووا ما لا تفعلون"
فاقتران الفعل للقول أبلغ في التأثير ، وأدعى للإستجابة والتوقير .
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة في ذلك ، فما كان يأمر بأمر إلا كان أسبق الناس إلى تطبيقه والعمل به .
وذلك كثير في السنة النبوية ، ولنأخذ مثلًا واحدًا من السيرة يبيّن أثرالقدوة وتأثيرها على النفس:
المثال هو: ما حصل في يوم الحديبية حين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بأن يحلوا ، ويحلقوا رؤوسهم فتأبوا عليه ، فدخل منزعجًا إلى زوجه أم سلمة رضي الله عنها وذكر لها ما يجد من أصحابه ، فقالت له: أخرج فأمر الحلاق أن يحلق لك رأسك .. ففعل - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، ففعل الصحابة بعده لفعله واقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - .
هذا المثل يبيّن لنا أثر القدوة على نفس الآخرين ، وكيف أن القدوة من أسهل الطرق لكسب الآخرين واقناعهم بما تقول .
ولذلك ينبغي على الزوج أن يكون قدوة في بيته ، قدوة تقتدي به زوجه وأبنائه ، وحين يكون الزوج كذلك فإنه يكبر في عين من هم حوله ( زوجه وبناته وابنائه ) ، وحينها يسهل التأثير عليهم وتربيتهم تربية صالحة .
محترزات .
وهنا ينبغي على الزوج أن يحترز من محترزات تخل بالقدوة ، وهذه المحترزات تأخذ مظاهرًا عدّة في حياتنا اليومية منها:
-الأمر بالمعروف من ( صلاة ، أو ذكر ، أو توجيه ...) وعدم فعله ، والأدهى من ذلك أن يأتي ما ينهى عنه فكيف تستقيم زوجة لزوجها حين يأمرها بالصبر - مثلًا - لكنه في الواقع يسخط ويزفر حتى من أتفه الأسباب والأحوال ، كم من زوج هجر زوجته لأجل أنها لم تحسن كي ( الغترة أو الشماغ ) ، أو أنها ما أصلحت الطعام ، أو لأنها أتلفت أثاثًا أو .. ، ومن أعجب ما سمعته في هذا: زوج محسوب على المربين والدعاة يأمر أهله بالصلاة والمحافظة عليها ، ثم لما توقظه زوجه للصلاة يسخط عليها وينفر حتى صارت تتحرج من إيقاظه للصلاة ... ، وغير ذلك من مظاهر الإخلال بالقدوة في الأمر والنهي ، والكلام في ذلك مع الأبناء أغص وأمرّ والواقع شاهد على ذلك .
-عدم تزكية النفس وترقيتها في سلم الكمال البشري ، والاكتفاء بالحال على ما هو الحال ، والشعار: ليس بالامكان أكثر مما كان .. وهنا مشكلة يجب أن يتنبه لها أهل الدعوة ، وخصوصًا في هذه النقطة ، وذلك حين يجد الرجل من زوجته أنها تقارنه بفلان من الناس ، وأن فلانًا أحسن منه علما وتدينًا وحرقة على دينه ، وعملا لأجل دعوته ومبادئه ، فإذا وصلت الزوجة إلى هذه المرحلة فهي مرحلة خطرة على استقرار الحياة ، والواجب على الزوج هنا أن يكون محل قدوة لزوجته لا أن يكون غيره من أصحابه وخلانه مكان القدوة لها ، ومن هنا يلزم الزوج أن يجاهد نفسه في الترقي ، والتزكية لا لهذا الغرض فحسب بل تقوى لله ورغبة فيما عنده ودفعًا لما قد يكون سبباُ من أسباب التفكك الأسري ، فإن المرأة بطبعها - بل البشر عمومًا - يعجبون بالانسان العامل الذي يترقى في سلم المال البشري ، ومن هنا كان من مظاهر الإخلال بالقدوة العجز والكسل عن تزكية النفس والترقي بها . فكيف يريد الداعية من زوجته أن تكون داعية فاضلة بين بنات جنسها ، وهو ليس كذلك ..- والله المستعان - .
المقوّم الثاني: المودة والرحمة والمحبة .
وهذا المقوم سر من أسرار الزواج الناجح ، وسر من أسرار الأسرة المستقرة الفاعلة ، ولذلك جعل الله هف الزواج تحقيق هذه المودة والرحمة بين الزوجين .
وهذا المقوّم مهم في باب إقناع الزوجة وكسب قلبها ، والداعية الصادق بحاجة إلى أن يكسب قلب زوجه ، وأن يجعلها أشد اقناعًا بما هو عليه .
كثيرًا ما تتذمر زوجات الدعاة من كثرة انشغال أزواجهم بالاعمال الدعوية ، وانصرافهم عنهم ، وبصراحة أكثر: يتذمرون من قلّة جلوس أزواجهم معهم والخروج بهم في نزهة قصيرة ، ..
والداعية الصادق قد ينشغل جلّ وقته في أمور دعوته ، وأحيانًا - أو غالبًا- ما يؤجل وعوده لزوجته وابنائه بسبب عمل دعوي ، أو برنامج خيري يستلزم وجوده .
وهنا يبرز أهمية هذا المقوّم في إقناع الزوجة بهذا العمل ، وأنه إنما يقوم لله ، وأنها تؤجر على صبرها وجهادها معه ، فإن كان الرجل محبًا لزوجته ، يغمرها بمودته ورحمته إياها ، وهو صادق في قوله وفعله فالكلمة الصادقة التي تخرج من القلب تقع في القلب مباشرة .
أما حين ينعدم الحب - أو يقل - بين الزوجين فما عسى أن يقنع هذه الزوجة .
ولكم أن تتخيلوا موقف المرأة في حال أن زوجها يشعرها بحبه ومودته ، وفي حال أن الزوج لا يشعر أهله بالحب والمودة والرحمة ، وذلك إن أراد زوجها الزواج بامرأة ثانية ؟!!!
اتصور أن الزوجة التي تشعر بحب زوجها ومودته لها ورحمته بها ، لن تجد ممانعة قوية في نفسها من إقدام زوجها على الزواج بأخرى ، لأنها تشعر في قرارة نفسها أن زوجها لن ينسى حقها وحبه لها ( وهو الأمر الذي يتخوف منه كثير من الزوجات ) .
أما الزوجة الثانية التي لا تشعر من زوجه بحب ولا رحمة ، فإنها في هذا الموقف سوف تمانع وتجادل حتى تطلب من زوجها الطلاق والفراق ، وما ذاك إلا لشعورها بأن زوجها الذي ما أشعرها يوما برحمة أنه سوف يتركها عظما بد لحم .
هذا مثل بسيط لأثر المودة والرحمة والحب بين الزوجين ، وكيف يعمل هذا الحب وهذه الرحمة على سهولة الإقناع .
وإننا ما نجد مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب مع زوجاته وابنائه ، ولنأخذ بعض النصوص والحوادث:
-كان - صلى الله عليه وسلم - مع عائشة رضي الله عنها هينًا لينًا ما هوت شيئًا إلا تابعها عليه .
-ينيخ لها ظهره - صلى الله عليه وسلم - لتصعد وتنظر إلى لعب الأحابيش .
-تكسر الصحفة بين يديه وعنده بعض أصحابه ، فما يزيد عن أن يتبسم - صلى الله عليه وسلم - .
-يجلس مع عائشة تحدثه الحديث الطويل ( حديث أم زرع ) فلا يضجر أو يمل بل يتابع معها حديثها ولو طال وتعقّدت كلماته .
-يترافع يوما - صلى الله عليه وسلم - هو وإياها إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه ، فيقول لها: أتكلم أو تتكلمين ، فتقول وهي مغضبة: بل تكلم أنت ولا تقل إلا حقًا ، فيصفعها أبوها على وجهها ، فيقف - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين زوجته يحميها ، ويقول: ما لهذا دعوناك ، ثم ما يلبث أن يتباسط وإياها فيضحكها وتضحكه
مع الأبناء:
-يرتحله حفيده: الحسن أو الحسين وهو ساجد في الصلاة فلا يرفع رأسه حتى ينزل الغلام .
-ينزل يوما من على المنبر ليأخذ حفيده بين ذراعيه ثم يصعد به على المنبر ويكمل خطبته .
-يداعب الأطفال ويعطيهم الهدايا والعطايا .
وكثير ذلك في كتب السنة والسيرة . وبحق هو ( إنك لعلى خلق عظيم )
من مظاهر المودة والرحمة بين الزوجين:
-التفاعل مع حال الزوجة في فرحها وحزنها ، في عافيتها ، ومرضها ، في حيل انشراحها وضيق صدرها ومراعاة تقلب أحوالها ، فمن الناس من يرعى لزوجته حقها ويرحمها حين تكون في حال رخاء ونعماء ، أ/ا حين ضراءها وبلواءها فهو من أبعد الناس عنها ، وهذا من الظلم والغبن .
-العناية بأهل الزوجة ، وتفقدهم ومراعاة أحوالهم ، وإدخال السرور عليهم ، فإن ذلك مما يزيد الحب والمودة بين الزوجين . ( صدقة على أهل بيتك صدقة وصلة ) .
-المبادلة ، بادلها الضحكة بالضحكة ، والأنس بالأنس ، والتجمّل بالتجمل ... فلماذا نطلب من زوجاتنا أن يكنّ ملكات جمال ، ولا نسعى في تجملنا لهن كما نريد منهن - هذا جانب في ذلك - والذي ينبغي أن يبادل الزوج زوجته ما يريد منها ، فكما تحب أن تكون لك كنّ لها - في حدود المشروع - .
-النظرة الواقعية للزوجة ، فلا ينظر إليها - وإن كانت برفسورة - أنها أكمل نساء الدنيا ، ولا ينظر إليها أنها هي هي ، فإن هذه النظرة غير الواقعية تقلب الحياة سعيرًا ، إذ أن الزوج بحكم نظرته يريد أن يرى زوجته كما ينظر إليها هو ، والمقياس الشرعي: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، قال - صلى الله عليه وسلم -:"المرأة كالضلع ، إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها ، استمتعت بها وفيها عوج"قال ابن حجر رحمه الله: فيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن ، وإن من رام تقويمهن ، فاته الانتفاع بهن .. مع أنه لا غنى للانسان عن امرأة يسكن اليها ويستعين بها على معاشه ، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها .. أ . هـ ووصف المرأة بالضلع بجامع الاعوجاج فيهما ، ففي الضلع حقيقة ، وفي المرأة مجازًا ، ووصف للضلع في خٍلقته ، ووصف للمرأة في خُلقها .
قواعد:
وها هنا أذكر قاعدتين مهمتين في هذا الباب ( باب الحب والمودة ) - وآمل من الجميع ابداء الرأي في صحة تطبيقها:
القاعدة الأولى:"أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما"وهذه القاعدة أثرًا عن علي رضي الله عنه ، ورفعه بعضهم .
فما هو مقدار الحب الذي يكون للزوجة ، وما معنى هذا الأثر ؟؟
وهل يصح تطبيقه على حال الزوجية ؟
القاعدة الثانية: ليس بالحب وحده تقوم الأسر ، ولا يمكن أن تستمر مع البغض والكره .
بمعنى أن هناك أسرًا تقوم وليس هناك حب بين طرفيها ، كما أنه ليس هناك بغض بينهم ، والمعنى بشكل أوضح: أنه من الممكن أن تقوم أسر - لكن ليست هي الأسرة المثالية التي نطمح إليها - وتبقى بدون أن يكون هناك حب بين طرفيها .
مثال ذلك: أسر بعض الأعراب الذين يعيشون في البوادي فمن هذه الأسر من تقوم ولا يعرف الزوج و لا زوجته معنى الحب ، وإنما الحياة بينهم قائمة على مصالح الخدمة بينهما ، فالزوج يريد من زوجته المأكل والمشرب والملبس وما يريد الرجل من المرأة ، والزوجة تريد من زوجها أن يوفر لها سكنًا ومأكلًا ومشربًا وما تريد المرأة من الرجل ، ولا يربط بينهما حب كما أنه لا يعتريهما البغض والكره ...
ونكمل ما تبقى في حلقات أخر
المقوّم الثالث: العدل .
وهو الأمر الذي قامت عليه السماوات والأرض ، قال الله جل في علاه:"وإذا قلتم فاعدلوا .."
وقال:"اعدلوا هو أقرب للتقوى .."...
والظلم من أعظم الذنوب خطرًا على الفرد والمجتمع ، فقد قيل: إن الله يقيم الدولة الكافرة بالعدل ، ويهلك الدولة المسلمة بالظلم .
وتلك سنة الله جارية في كونه وخلقه ، فإن الله لا يحب الظلم والظالمين ، ويحب القسط والمقسطين الذين يقومون بالعدل بين الناس .
والعدل في الحياة الزوجية من أهم أسباب بقاء الأسر وعدم تفككها .
ومعنى العدل في الحياة الزوجية يشمل كل شئون الحياة .
فكم هدّم الظلم من بيت ، وكم شرّد من أطفال ، وكم رمّل من نساء ... كل ذلك بسبب الجور والظلم .
لكن الله للظالم بالمرصاد:
تنام عينك والمظلوم في كمد يدعو عليك وعين الله لم تنم
وإذا ذكر العدل في الحياة الزوجية فبادئ ما ينصرف إليه الذهن العدل بين الزوجات ، وهو أمر عظيم ..
فالله .. الله بالعدل .. وإياكم أن يأتي أحدكم يوم القيامة وشقه مائل - نسأل الله الحماية -
يُذكر أن رجلًا تزوج من امرأتين وكان شديد الحرص على أن يعدل بين زوجتيه في كل شئونهما ، وقدر الله جل وعز أن يتوفى زوجتيه في ليلة واحدة ، فغسلهما وكفنهما ، فلما أراد أن يخرجهما من المنزل احتار كيف يقدم واحدة على الأخرى في الخروج ، والباب لا يتسع لمرور جنازتين في آن واحد ، فما كان منه إلا أن كسّر ماجاور الباب من الجدار حتى يتسع الباب لإخراجهما سويا وفعل حتى دفنهما ...
وفي المنام رأى إحدى زوجتيه تقول له: لماذا أخرجتني من جهة الجدار الذي تكسر ، وأخرجت ضرتي من الباب ...، ففزع من نومه وحزن لذلك حزنا شديدا كاد يفتك به .
وبغض النظر عن تفاصيل هذه الحادثة أو صحتها - إنما هي للتمثيل - فإن الزوج المؤمن -وخصوصًا الداعية إلى الله - مطالب بأن يعدل بين أزواجه ، ولا يجوز له بحال أن يفضل واحدة على أخرى في الأمور المشتركة بينهما ، وحين يتخلف العدل من بيوت الدعاة والأزواج الصالحين ، تسقط هيبتهم بين الناس ، ويزيد أمر التعدد تعقيدًا وممانعة من النساء والآباء .
يحدثني أحدهم ويقول: أن له قريبة مطلقة ، تقدم لخطبتها أحد الدعاة إلى الله ففرحنا به فزوجناه إياها ، وقد كان أبي حريصًا على أن لا يزوجها رجلًا معددًا ، فما برحت أقنع والدي أن يزوجه لما يُعرف عنه من العلم والصلاح والسمعة بين الناس ، وبعد أشهر من الزواج وجدت أن هذا ( الشيخ ) لا يعطيها حقها بل وصل الأمر إلى تهديدها وتهديد أهلها بما لا يسوغ ذكره هنا ... فحصلت لأبي صدمة كبيرة جدًا ، وخصوصًا أنه كان يرى في هذا الرجل: ( أنه الشيخ الجليل ، العابد ، الناصح ) لكنه في بيته لا يرعى حق المسكينة الضعيفة مما ولّد عند والدي كراهة المتدينين الذين يعددون في الزواج ... ولا أدري إلى متى تبقى هي تغالب أعاصير الحياة في بيتها ، ولا أدري إلى متى يبقى والدي يفريه الهمّ والغمّ من شدة ما يجد ....
هذه حادثة من حوادث كثر .... ولعل القارئ الكريم يعرف أحوالا وأحوال ، والمحاكم خير شاهد على ذلك .