فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 145

ليس الغرابة في الحادثة أن لا يعدل الرجل بين زوجاته ، ولكن الغرابة أن يحدث هذا الظلم والحيف والجور من إنسان يعرف ما يفعل ، وفعله مؤثر بين الناس !!

من صور العدل في الحياة الأسرية:

-أن يعامل الرجل زوجته كما يحب أن يعاملوه . وكذلك الزوجة ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .

-العدل في نشر الحنان والحب بين الأولاد .

-العدل في حل مشاكل الأسرة مع الآخرين ( الوالدين ، الجيران ... )

سؤال: كيف تتصرف ؟

-تعود إلى بيتك فتجد والدتك بانتظارك وهي تزفر من الغضب تشكوا إليك زوجتك ، ثم تدخل على زوجتك فتجدها هي الأخرى أشد زفرًا وغضبًا تشكوا إليك أمك ... فكيف تتصرف ؟!

-بعد صلاة العصر يأخذك جارك على انزواء يشكوا إليك ابنك بأنه قد شج رأس ابنه الذي يصغره بسنة .

-في الليل تدخل بيتك فإذا شجار قائم بين ولديك ؟

كيف تتصرف في هذه المواقف ؟؟

-العدل في تقييم الخطأ ، فلا تميل إلى والدتك مثلًا إن الحق مع زوجتك ، ولا تمل إلى عاطفة البنوّة إن كان ولدك قد أخطأ على ولد الجيران ... وهكذا ، يبقى الأمر في طريقة التصحيح ومعالجة الخطأ ، وذلك يخضع لاعتبارات تلابس الحادثة نفسها ، لكن ينبغي أن يراعى العدل في تقييم الخطأ فلا يُبالغ في تضخيم الخطأ الصغير ، ولا يُتهاون في تصغير الخطأ الكبير ...

-العدل في الوقت . فكم تأخذ من الوقت تُجمّ فيه نفسك وترفهها .. فلا تنس شريكة الحياة ، لا تنس نفسك وأنت خلف هذا الجهاز فتقضي الساعات الطوال ثم ( تنطرح على فراشك كأنك ..!!! )

-من العدل:لا تذكّر زوجتك بالأخطاء الماضية المنتهية ، وكأنك تطرح بين يديها كشف حساب ، فقد تعاملك هي أيضًا بذلك .

المقوّم الرابع: الحكمة في التصرف والتقويم .

قال الله تعالى:"ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا .."

والحكمة هي وضع الشيء في موضعه ، الحزم حين يكون الحزم ، واللين في موضع اللين .

إذا غضبت على ولدك فلا يكن غضبك حين يتلف الأثاث أو يكسر الزجاج أعظم من غضبك عليه حين يتأخر عن الصلاة أو يتركها ..

ولا يكن غضبك على زوجك حين تخطئ في غسيل أو طبخ أو كي أعظم من غضبك عليها حين تغتاب أو تذكر جارتها بسوء ...

لا تكثر العتاب في كل شاردة وواردة ، فالنظرة أحيانًا تكفي ، والإشارة في أحوال تشفي ، والتجاهل في مرات يغني عن الخوض والعتاب .

قال الغزالي رحمه الله:"لا تكثر على الصبي العتاب ، فإنه يهوّن عليه سماع الملامة !"

المقوّم الخامس: المخالطة .

مخالطة الأسرة ، وإشعارهم بالقرب ، والعطف عليهم ، وهذه المخالطة مما يزيد الأبناء حبا واقتداء بوالدهم ، كما أن المخالطة تزيد الحب بين الزوجين .

كم نسمع عن أزواج يرهقون أنفسهم خارج المنزل بالأعمال ، ثم إذا حضر إلى البيت ما يبحث عن شئ إلا الفراش ، وكم تسمع عن ذلك الذي ما إن يحط رحاله في أرض حتى يطير إلى أخرى ، دون اهتمام أو شعور بما عليه من مسئولية الأسرة .

المقوّم السادس: القيام بأعباء الأسرة ومسئولياتها .

فلا يكون عاطلًا ، عاجزًا ، كسلًا .. قعيد بيته ينتظر إحسان المحسنين ، أو راتب زوجته آخر الشهر .. ذليلًا خاضعًا تحركه زوجه كيفما شاءت .... انسلخت منه القوامة فصارت بيد زوجته ...

كم نرى هذا المنظر المخجل - والمؤسف حقًا - رجل ممشوق القامة ،عريض المنكبين ثم هو يدفع أمامه عربية التسوق وزوجه من أمامه تشتري وتبايع البائعين وتماكسهم - فوااااااااااا عجبًا !!_

والمقصود أن يكون الزوج على قدر المسئولية التي كلفه الله بها فلا يضيعها .

وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يخصف نعله ، ويصلح دلوه ، ويكون في مهنة أهله .

المقوّم السابع: الدعاء .

وهو سلاح المؤمنين الصادقين .

سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

ومن دعاء عباد الرحمن قولهم:"ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا"

وأحسب أن أمر الدعاء أمرًا قد صار يغفل عنه الصالحون ، فكم من زوج يريد السعادة والاستقرار ويطلبها من غير مظانها ؟؟

وكم من والد يطلب تربية أبنائه في دورات ودورات ثم النتيجة ... نخب هواء ..

وتغافلنا عن اللجأ إلى الله ، والله جل وعز يحب من عبده أن يلجأ إليه ، وينطرح بين يديه .

حادثة: أخ يقول: لي أخ لا يعرف الله في ليله ولا نهاره ، مجون وفسق وفجور ، وقد كنت أنصحه وأوجهه لكن كأنني أحرث في بحر ، وفي ليلة من الليالي قمت في ثلث الليل الآخر أدعو الله واتضرع إليه بأن يهدي أخي ، ويرده إليه ردّا جميلًا .. ثم نمت ، وبعدها سمعت طرقًا على باب غرفتي فاستيقظت فإذا هو أخي يوقظني لصلاة الفجر .. يا سبحان الله هذا الفاسق الفاجر ، أصبح اليوم هو العابد الذاكر ... اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك !!

الحلقة الخامسة:

المحور الأول: السلبية والإيجابية في التعامل بين الزوجين

وفي هذا المحور نشير إلى أهم ست عوامل لحياة زوجية أفضل .

وهذه العوامل قد يسرف المرء في الأخذ بها فتنقلب عليه سلبًا ، وقد يتطرف في العمل بها فتكون حياته جحيمًا والوسط خير الأمرين .

الأول: القول الحسن .

أنزل على عباده قوله جل وتعلى:"وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم .."

وقال في أسلوب التعامل مع الوالدين:".. وقل لهما قولا كريما .."

ونجد في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القدوة المثلى في هذا التعامل مع أفراد البيت ، لنأخ مثلا واحدًا ، وهو: قصة الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه - خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: خدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين لم يقل لي لشئ فعلته لم فعلته ! ولا لشئ لم أفعله لم لم تفعله ..!

ولنا أن نتصور كم كان عمر هذا الصحابي الجليل حين كان خادما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

اتوقع أنه لم يتجاوز 14 عاما أو نحوها ، .. فإذا كان في نحو هذا السن ألا يكون مظنة للخطأ والتقصير - باعتبار صغر سنه - الجواب: نعم .

ومع ذلك لم يسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا يقبّح فعلًا فعله ، أو يلومه على فعل لم يفعله ...

فأي خلق هذا الخلق - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ...

وقالت عائشة رضي الله عنها:"لم يكن رسول الله فاحشًا ولا متفحشًا .."..

فواجب الزوج إذن أن يعامل زوجته بالقول الحسن اللين الذي لا فحش فيه ولا صخب ... وهو عامل مهم في سعادة الأسرة واستقرارها .

والقول الحسن ينبغي أن يشمل كل أحوال حياة الزوجين ، في الغضب والرضا ، في الفرح والحزن ، ولذلك كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم إني أسألك كلمة الاخلاص في الرضا والغضب .."

فالانسان قد يفرط في الثناء حين الرضا فيطغى ويخرج عن المألوف ، وقد تعلو قلبه غشاوة حين الغضب فيجحف في حق الآخرين ... لذلك كانت الوسطية هي جانب الإيجاب في هذا التعامل .

ولنركز الكلام حول نقطتين مهمتين في هذا الجانب:

الأولى: معالجة فضول المرأة .

المرأة في طبعها تحب الفضول - الا من رحم ربك وقليل ما هم - تحب أن تعرف عن كل شئ يفعله زوجها ..

أين تذهب ؟

لماذا؟

ومع من؟

ومتى تعود ؟

وماذا لو كان كذا ؟

ووابل من الأسئلة والتحقيقات ، وهذا أمر طبعي من الزوجة - خصوصًا تلك التي تشعر بانطوائية زوجها - .

المقصود:ما هو جانب الإيجاب وجانب السلب في التعامل مع معالجة هذا الفضول ؟

أما جانب الإيجاب: فهو معالجة هذا الفضول بالقول الحسن ، والمداراة ، حتى ولو اضطر الأمر للكذب - وذلك في أضيق نطاق - وهذا من الكذب الذي أباحه الشرع للإنسان ،وذلك من أجل مصلحة استمرار الحياة الزوجية وعدم تفككها ..

أما جانب السلب فيها: هو مجابهة الزوجة بالتحجيم ، والكبت وإغلاق منافذ الحوار مما يولد الشك ، والريبة فتتكاثر المشاكل ،والخصومات بين الزوجين .

فليس من القول الحسن .. السكوت عن تقصير الزوجة في فرائضها وواجباتها ..

كما أنه ليس من القول الحسن مدح الزوجة والثناء عليه بوجه يستحيل عليها نقص أو خطأ ..

وليس من القول الحسن مقابلة النكران بالنكران ..

وليس من الحسن أن يدلل الولد فلا يعاتب أو يلام على جريرته وذنبه ..

وإن من القول الحسن:

-إعلام الزوجة بالحب .

-الصبر على شكايتها ، ونكرانها وكفرانها .

-الدعاء لها وإشعارها بذلك .

-توجيه الأبناء بالأسلوب السليم من غير تنفير .

وإني هنا أطلب من الإخوة ، حصر بعض المواقف النبوية في تعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته في هذا الجانب .

الثانية: السرية .

الزوج الداعية إلى الله بحاجة إلى أن يكون عنده شئ من السرية في بعض ما يتعلق بخططه وبرامجه ، بل حتى في أموره الخاصة ، ففي الأثر ( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ) ..

وجانب التعامل الإيجابي هنا: يكون بالحرص على قدر من السرية وعدم كشف الأوراق - فإن من طبيعة بعضالنساء إن لميكن جلّهم نقل الكلام هنا وهناك ..- ويكون هذا الحرص بحيث لا يولّد ريبة أو شكًا عند الزوجةأو يولّد عند المرأة فضولًا ..

وقد كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورّى بغيرها .

ونجده يوم الهجرة حريصًا على ذلك يوم طلب من أبي بكر رضي الله عنه أن يُخرج من عنده ...

وذلك مشهور معروف .

أما جانب السلب فإنك تجد من الناس من لا يكاد يترك شاردة ولا واردة الا وقد تخفف منها وبددها ، فهو كما يقال في المثل العامي ( ما يتبلى على فم حبة فول ) .. وهكذا .

وهذا من الخطورة بمكان . واللبيب بالإشارة يفهم ..

حادثة: يذكر أن رجلًا اتفق مع زوجته على شفرة معينة ، بحيث أنه إن شفر لها بها تقوم بعمل معين .

المهم أن الرجل قبض عليه .. فطلب منهم أن يتصل بأهله ليطمئنهم بوصوله ، فاتصل عليهم وأشار لهم بما اتفقوا عليه ،وفعلًا فعلت زوجته ما أراد .. وحضر الجنود بيته فلم يجدوا شيئًا إذ أن الزوجة قد قامت بالدور على وجه حسن ، لكن ما الذي حصل ؟؟

الذي حصل أن الرجل أوقف في السجن ومعه أحد الناس ، فانفرط يفتخر أمام السجين الذي معه بأنه قد اتفق وزوجته على كيت وكيت .. فوصل أمره ووقع في الشراك .. - والله يعينه -

فهذا مثل يوضح أهمية السرية والكتمان إذا أراد الإنسان أن يقضي أمرًا في أي شأن من شئون حياته ..

والحقل الدعوي والتربوي مليئ بالتجارب والأحداث .

المقصود أن أعظم عوامل بقاء العشرة ودوامها القول الحسن بين الزوجين ، وهذا التعامل له جوانب مشرقة إيجابية ، وفيه جوانب سلب قد يقع فيها بعض الأزواج .

وهنا ينبغي أن نعلم أن القول الحسن في الحياة الزوجية يتعدى إلى الأبناء ..

العامل الثاني: العشرة .

قال الله جل وعز:"وعاشروهن بالمعروف"بالمعروف: أي بما عُرف حسنه في الشرع .

وهنا باختصار نشير إلى جوانب حسن العشرة بين الزوجين:

-تربية الأبناء على احترام الوالدين ، باحترام كل طرف للآخر ، فليس من حسن العشرة أن يعوّد الأب ابنائه على هوان أمهم ، فإن قال الأب: لا ينبغي على الأم مراعاة هذا التوجيه لأبنائه فلا تقول لهم: نعم ، وإن قالت الزوجة: نعم فعلى الزوج أن يراعي هذا الجانب فلا يقل: لا ... ليكسب جولة أما أبنائه ضد أمهم .

-ذكر الزوجة بالخير أمام الغير ، وخصوصًا أمام أهلها ، فما أحسن أن يقول الزوج مخاطبًا والد زوجته: ما أحسن تربيتكما ، فقد وجتها عطوفًا حنونًا هينة لينة ً طائعة ... ، أمّا ذكر الزوجة أمام الأصحاب فإن كثيرًا من الأزواج يتحرج أن يذكر زوجته بخير أمام أصحابه .

وأقول: إن الأمر يخضع بحسب الحال ، فإن حصل حال يستلزم ذكر الزوجة بخير فلا حرج ..

سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يومًا: من أحب الناس إليك ؟

قال: عائشة .

فذكر الزوجة أمام الغير بالخير من حسن العشرة والمعاشرة ، ولا يعني ذلك أن ينفرط الأمر فيذكر الزوج ما يحصل بينه وبين زوجه في بيته فيقع في النهي والمحذور .

-أخذ مشورة الزوجة

فالمشاورة مما يطيب الخاطر ، ويؤلف بين القلوب ، وقدكان - صلى الله عليه وسلم - يأخذ بمشورة زوجاته ، وما حادثة يوم الحديبية إلا شاهد على ذلك .

والسلب في جانب المشورة .. أن لا يقضي الرجل أمرًا إلا بأخذ رأي زوجته فيه ، حتى فيما تجهل حاله وووصفه ، تبعية للزوجة وعدم خروج عن آرائها ، وقد جاء في الحديث:"الولد مجبنة مبخلة"

-تلبية طلبات الأهل من حسن العشرة ، وليس من حسن العشرة تلبية جميع طلبات الأهل .

العامل الثالث: الإهداء .

تهادوا تحابوا ... ومنأعظم سهام صيدالقلوب وأسرها الهدية حال الرخاء والشدة ، عند الفرح وبعد الخصومة .

الحلقة السادسة: العامل الرابع: التعليم .

وفي حديث ما معناه:"من عال جاريتين أو أكثر فأدبهما وأحسن تأديبهما كانتا له حجابًا من النار"

ونخن كثيرا ما نهمل هذا الجانب في بيوتنا ، آباءنا وامهاتنا بعضهم لا يجيد قراءة الفاتحة ، وبعضهن لا يعرفن أحكام الطهارة المتعلقة بالنساء ، وبعض زوجاتنا لا يعرفن أبجديات في أمور الدعوة والتعليم ...

وهكذا يبقى المنزل غارقًا بالجهل ...

فوا اااا اسفى على نساء الدعاة هم أشقى الناس بأزواجهم - الا من رحم الله -

والله جل في علاه أول ما أمر نبيه بالدعوة قال:"وانذر عشيرتك الأقربين"وفي حديث"إبدأ بمن تعول"وفي حديث آخر"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"

ونصوص كثيرة تبيّن جانب أهمية العناية بالاسرة تعليما وتربية وتوجيها .

وفي المقابل من الدعاة من يفرط في هذا الجانب ، فيفترض الانفصام بين الدعوة العامة للناس وبين تعليم الأهل ودعوتهم ، فيقصر كل جهده مع أهله وبنيه .. لا يشارك أو يقترح أو يفكر في دعوة الآخرين بحجة تعليم الأهل ودعوتهم وإصلاحهم ، وكثير من البطالين الخاملين يتذرعون بمثل هذه الذرائع ، وفي الحقيقة لا تجده هنا ولا هناك فيصير كما يقول القائل ( عذر أقبح من ذنب ! ) .

والواجب أن لايغفل الداعية عن تعليم أهله وتوجيههم بترتيب الدروس لهم ، أو إشراكهم في الدورات النسائية ، أو دور التحفيظ ، أو مراكز الدعوة النسائية والعمل على تيسير الأمور لهن بالتنازل عن بعض الحقوق حتى يتسنى لهن تحصيل العلوم والمشاركة في البرامج الدعوية المنوعة .

أما حبس المرأة وقعودها في قعر بيتها جاهلة .. لاهمّ لها إلا الطبخ والغسيل فهذا من تضييع الأمانة - والله المستعان - !

العامل الخامس: إظهار العبادات في المنزل .

وهذا من أهم عوامل تربية الأسرة ، ومن فنون التعامل مع الزوجة والأبناء ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل ، ويذكر الله ، ويستغفر ويصلي من النوافل ما شاء في بيته تعليما لأهله ، وهو القائل في حديث صحيح:"صلوا في بيوتكم .."أي النوافل ، وفي حديث آخر"لا تجعلوا بيوتكم مقابر .. إن الشيطان لينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة .."

فماذا يكون موقف الزوجة حين ترى زوجها قائم في الليل لله خاشعا يبكي ويتدبر كلام الله !!

وماذا يكون موقف الابن حين يرى اباه كذلك !!!

وهناك كثير من العبادات التي يمكن إظهارها في المنزل:

-النوافل من الصلاة .

-قيام الليل .

-الصيام .

-قراءة القرآن .

-الذكر .

-القيام بمهنة الأهل .

-الوضوء .

وغيرها كثير ...

العامل السادس: رباطة الجأش .

والمقصود تربية الزوجة والأبناء على هذه الصفة الحميدة ، رباطة الجأش وعدم انفلات الأعصاب والتهور .

وسير الصحابيات عليهن رضوان الله ورحمته ، تضرب لنا أروع الأمثلة في رباطة الجأش والتصبر والحكمة من مثل سيرة:

-نسيبة المازنية .

-خديجة رضي الله عنها .

-الخنساء .

رضي الله عنهن أجمعين .

لكن الذي ينظر إلى واقع غالب نساء اليوم يجد أنهن عن ذلك أبعد ، تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل ( صرصور ) أو قط أو فأر ...واليكم هاتين الحادثتين المتقابلتين:

الأولى: امرأة تتصل بزوجها وهو في مقر عمله تطلب منه بعض حاجيات المنزل ، ثم فجأة تصرخ ويختفي صوتها ، فيقلق الزوج فيخرج من عمله مسرعًا بسيارته يسابق الزمن ، معرضًا نفسه للخطر والموت ثم لما وصل الى بيته فزعًا تقابله زوجه ليعرف أن سبب صراخها أنها رأت فأرًا كبيرًا .. فما كان من الزوج الا أن رمى عليها الطلاق غضبًا وانتقامًا .. - لا حول ولا قوة الا بالله - .

الثانية: هذا رجل هو وزوجته معهم سيارة ( جمس ) وهم في طريقهم إلى مدينة القصيم ، تشعر المرأة بالارهاق والتعب فتطلب من زوجها أن يقف لتنتقل إلى مؤخرة السيارة فتنام ، وكذلك فعل .

وبعد مسافة من الطريق يقف الرجل في محطة وقود ( بنزين ) ... وخرج الرجل من السيارة ليدخل دورة المياه ، وقامت المرأة هي كذلك ونزلت من السيارة لتدخل دورة المياه ، المهم أن زوجها عاد إلى السيارة ولم يتنبه أن زوجته غير موجودة في السيارة ، فتحرك وانطلق ظنًا منه أن زوجته نائمة في مؤخرة السيارة .

خرجت المرأة من دورة المياه فلاحظت أن سيارة زوجها غير موجودة ، لم تر أمامها إلا العاملين في المحطة فأسقط في يدها ...

ماذا تفعل ؟؟

هل تصرخ وتستنجد بالعاملين ؟؟ لعلهم يؤذونها !!

فما كان منها إلا أن رجعت إلى دورة المياه واقفلت على نفسها باب الدورة ، وبقيت تنتظر ختى سمعت أصوات نساء في الخارج ففتحت الباب ، وكلمتهن في أمرها .

فما كان منهن إلا أن كلمن ولي أمرهن في أمرها فأخذوها معهم ليلحقوا بزوجها على الطريق فأدركوه .

المقصود أن هاتين الحادثتين تبين لنا أهمية هذا العامل في استقرار الحياة الزوجية ( رباطة الجأش ) ترى لو هذه المرأة قامت لتستنجد بأولئك العمال هل سيكون أمرها كما آل اليه ؟!! لا أعتقد .

والداعية إلى الله بحاجة إلى أن يربي أهله على ذلك ، فهو بحاجة إلى أن يعلمهن الحكمة في التعامل مع الأمور الطارئة المختلفة ، فرب طيش زوجة يودي بزوجها إلى الهلاك ، ورب تهور في التعامل مع الحدث يأتي بأمور لا تحمد عقباها مستقبلًا .

الحلقة الأخيرة:

المحور الثاني من الموضوع: تربية الأبناء .

الأبناء هم العمر الثاني للأب ، قال - صلى الله عليه وسلم -:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: .... ولد صالح يدعو له .."

فواجب تربية الأبناء من أعظم واجبات الوالد المسلم والأب الغيور على دينه وأمته .

الأبناء هم مستقبل الدعوة وأملها .

هم عدّة الأمة ورجاؤها بعد الله .

وها هنا أمرين متقابلين في واجب التربية لا تعارض بينهما - على أن الكثيرين يفترضون التعارض -

الأول: قول الله تعالى:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"

الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .."

يظن كثير من الآباء افتراض التعارض بين الأمرين ، فيفرط في تربية ابناءه وأولاده ويقول:"إنك لا تهدي من أحببت .."وطائفة أخرى من الآباء يغالون في الاهتمام بالابن مغالاة تصل به إلى حدّ مهين ويقول: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته""

والواجب على الأب المسلم أن يبذل ما يستطيع من وسع وجهد في تربية أبنائه مسترشدًا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، حريصًا عليهم ، ثم إذا لم يكن له ما أراد فلا ييأس وليعلم أن الهداية بيد الله ، لكن ذلك لا يمنع أن يحاول الكرّة بعد الكرة - من دون تضييع للحقوق الأخرى - لعل الله أن يكتب له الهداية ز

وهنا نعرض إلى طريقة القرآن في تربية الأبناء ، وذلك على ضوء وصايا لقمان لابنه في قول الله تعالى /:""

وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظام عظيم . ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصالله في عامين أمن اشكر لي ولوالديك إلي المصير . ون جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون . يا بني إنا ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو ف ي السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير . يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور . ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير""

لقد حوت هذه الآيات الكريمات وصايا عظيمة ، بيّن فيها القرآن المنهج السوي في تربية الأبناء ، ولنقف في نقاط حول هذا المنهج القرآني لنستخلص منه الطريقة المثلى في تربية الأبناء:

أولًا: ينبغي مراعاة مراحل الابن ( العقلية والجسدية والتكليفية ) في التوجيه والتربية .

نأخذ ذلك من قوله جل وتعالى:"وهو يعظه ..) فإن الوعظ مرحلة سابقة على التعنيف والتأديب ، هو أول ما ينبغي أن يسلكه الوالد في تربية ابنه وخصوصًا في مراحل عمره ( الادراكية الأولى ) فالطفل في هذه المرحلة لا يعنّف التعنيف الشديد ، ولا يضرب أو يقسى عليه في التوجيه بل يؤخذ بالوعظ واللين والملاينة والصبر عليه نظرًا لما هو عليه من خفة العقل وعدم التكليف ."

ثانيًا: أول مهام تربية الابن .

أي ما أول ما ينبغي أن يعتني به الأب في تربية ابنه ، وبماذا يبدأ في تربية ابنه ؟

على ضوء المنهج القرآني يتبين لنا أن أول مهام التربية للأبن تكون في:

-المهمة الأولى: تربيته على الأدب مع الله ، وذلك يظهر في الآيات بشكل واضح في قوله ( يا بني لا تشرك بالله ..) ) أقم الصلاة ..) ( إنها إن تك مثقال حبة من خردل ..) وتربية الابن على الأدب مع الله يشمل عدّة جوانب في التربية:

1 -تعميق صلة الطفل بربه ، وأنه جل وتعالى هو أهل الثناء والشكر ، وهذا التعميق يمكن أن يكون بعدّة طرق منها:

-ايقاظ الفطرة في نفس الطفل . والطفل في مبدإ الأمر يكون وعيه ضئيلا وإدراكه في أضيق حدود ، ولكن غير صحيح أنه لا يعي علةى الإطلاق ! فهو يعي النظرة الحانية ، ويرتاح لها وتطمئن لها نفسه ، كما أنه ينزعج ويبكي من غضب أبيه وأمه ..

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة .."والفطرة هي الاسلام كما فسرها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه .

وايقاظ الفطرة يكون باستغلال الحدث ، وتعليم الطفل وترعيفه على ربه:

من خلقك ؟ من أعطاك اليد ، اسمع ، البصر ...

-تعريف الطفل بنعم الله عليه ، وخصوصًا تلك النعم التي يحسها ويشعر أنها طارئة عليه ، فلا يشعر بادئ الأمر أنها من الله ، فهنا يأتي دور الأب في نسبة النعم إلى الله ( الأكل ، الملبس ، المسكن ، الجوارح ، اللعبة التي يلعب بها ) حين يرغب الطفل في لبس جديد أو أكل معين أو لعبة يلعب بها لا يشعر حين تلبي له طلبه أنها نعمة من الله وهنا لا بد أن تستغل هذا الحدث فتذكره بنعمة الله عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت