مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي
سير الصالحين معالم يهتدى بها ، ومنارات يقتدى بآثارها ، والأزمان التي يعيش فيها الإنسان مهما كانت نماذجها الرائعة إلا أنها في حاجة إلى قَبَسٍ خاص من نماذج ذات طراز رائع ، فكيف إذا كانت النماذج الرائعة لا يكاد يراها الإنسان ، أو قل يتعب في البحث عنها في مثل هذه الأزمان ... إنَّ دراسة التاريخ هي الكفيلة بدمج القدوة في قلب الإنسان وجعلها تترعرع حية في حياته وإن مات أصحابها وتوارت آثارهم في طيات القبور ؛ لهذا الهدف وأمثاله أحببت أن أعلّق نفسي بآثار الكرام في تلك الأزمان ، وجعلت لقلمي مساحة يحاول فيها تكريس مفاهيم القدوة في سير كُتّاب التاريخ بالأمس ، علّ قلبي أو قلب من يقرأ هذه الأحرف يطوف بها متأملًا ليجد فيها بعض منارات الطريق . والله المستعان ! لقد جال قلمي بالأمس في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدءًا بالميلاد اليوم الذي أنار في المدينة كل شيء ، وانتهاءً باليوم الذي انطفأ من المدينة كل شيء ، وكتبت هناك ما يمكن أن يملأ قلب كل متأسٍ بنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، واليوم أحاول جاهدًا أن أتنفّس في سير المصلحين من بعد الأنبياء ، بدءًا بعلم من أعلام الإسلام ، سيرة أقرب رجل إلى سير الأنبياء ، ثاني رجل يطرق باب الجنة يوم القيامة ، ويدخل من أبوابها الثمانية ، فيا لله أي قلم هذا الذي يتطاول ليكتب معالم من معالم هذه النماذج الرائعة ؟!
أبو بكر: هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو ، ويكنى بأبي بكر ، ولقّب رضي الله تعالى عنه بالعتيق قال - صلى الله عليه وسلم -: أنت عتيق الله من النار ، وقيل إنما سمي لذلك لجمال وجهه ، وقيل لأنه كان قديمًا في الخير ، ولقب بالصديق ، جاء ذلك في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صعد أحدًا وعليه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم قال: أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان . رواه البخاري . وإنما لُقّب بهذا لكثرة تصديقه للنبي - صلى الله عليه وسلم - . وإجماع الأمة قائم على تسميته بالصديق ، ولقّب كذلك بالصاحب ، قال تعالى:"إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"قال الحافظ: المقصود هنا أبو بكر بغير منازع . اهـ وثمة درس: أن الأصل في الألقاب الحميدة والصفات الحسنة في أعراف الناس ألاّ تكون إلا لأهلها ، وكذلك هي في ميزان الدار الآخرة ، يأبى الله تعالى أن تكون الشهرة الصالحة إلا في حق أهلها الجادين في طلبها . ولا أعرف إلى تاريخ هذه الأسطر أنَّ الناس أجمعوا على وصفٍ صالح لرجل يدب على الأرض إلا وله منه نصيب ! وهذه شهادات الناس لا يمكن أن تلتقي في شخصية رجل إلا وقد عبّ منها حتى ارتوى وخرج يسقيها الناس أو يسقيهم بعض سلسبيلها الرائع . وإذا رضي الله تعالى عن إنسان فلا تسل كم هي الألسن المطبقة على حبه وذكره والشغف به وهل ذلك إلا بعض آثار الحب ؟! فاللهم يارب دثّرنا بهذه الآثار ، واكتب لنا منها أوفر الحظ والنصيب .
ولد أبو بكر بعد عام الفيل بالاتفاق ، والخلاف في الزمن الذي ولدفيه بعد عام الفيل ما بين سنتين وثلاث ، وثمة صفات خَلْقية يعرف بها هذا العلم كونه أبيضًا ، نحيف البدن ، خفيف اللحم ، حسن القامة ، خفيف العارضين ، أجنأ ـ أي ميل في ظهره ـ لا يستمسك إزاره على بطنه ، غائر العينين ، دقيق الساقين ، يخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم . ولا مزية في التاريخ لطول أو قصر ، كلا ! ولو كانت هذه معالم فارقة في أوصاف الرجال لما كانت من أوصاف المنافقين المفلسين ، وقد قال ربك فيهم"وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم"ولولا أنني أريد أن أصف لك رؤيته لتعانق الأشواق بلقائه يومئذ لما كتبت فيها حرفًا واحدًا ، والله المستعان !
تزوج من أربع نسوة أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث: عبد الرحمن ، وعبد الله ، ومحمد ، وأسماء ، وعائشة ، وأم كلثوم ، وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده وأدركوا النبي وأدركه بنو أولاده إلا أبا بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه .
كان في الجاهلية: من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم ومن أهم ما اشتهر به: العلم بالأنساب ، ومع ذلك ما أُثر عنه أنه عاب نسبًا لأحد ، أو ذكر مثلبًا لقوم ، وقد قال السيوطي رحمه الله تعالى: رأيت بخط الذهبي ـ رحمه الله ـ من كان فرد زمانه في فنه ... أبو بكر في النسب . اهـ وهؤلاء هم نجباء الأمة ، وهل رأيت في حياتك رجلًا تشرئبُّ إليه الأعناق لا يملك من زاد العلم شيئًا ؟! إن مساحة العلم أكبر مساحة تتقاذف فيها همم الرجال ، وعلى قدر غَرْفِهم من تلك المساحة الشاسعة تتوسّع لهم صدور الأمة حبًا وإجلالًا وتكريمًا ! فكيف إذا كانت هذه المساحة من العلم دقيقة لدرجة أنها لا تُعرف إلا عند أمثال أبي بكر ، وكيف إذا كان صاحبها بمثل هذا الإتقان وتلك الجودة التي أصبح بها فردًا في زمانه .
وكان رضي الله عنه مثالًا لعون المستغيثين ، ونجدةً للمظلومين ، وأملًا للضعفاء والمساكين لدرجة أن قال عنه ابن الدغنة حين لقيه مهاجرًا: إنك لتزين العشيرة ، وتعين على النوائب ، وتكسب المعدوم ، وتفعل المعروف . رواه البخاري . وعلق الحافظ ابن حجر بقوله: وقد وصفه بنظير ما وصفت به خديجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه غاية في مدحه . اهـ وصدق ابن الدغنة كيف يخرج من أرض مكة من هذا حاله ، وتلك صفاته ؟! إن مثل هؤلاء صعب فراقهم ، وعزيز بعدهم ... وشنيء جدًا طردهم وإبعادهم . فيا لله متى كانت الأنانية في حياة الإنسان رفعة ؟! متى كانت السلبية المقيتة في حياة إنسان تاريخ ؟ ! لله درك يا أبا الدغنة على هذه الكلمات الرائعة ، هي نفس الكلمات والصفات التي قالتها خديجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما عاد خائفًا من آثار الوحي لأول وهلة ، قالت هوّن عليك: إنما هذه هي بعض صفاتك ولن يخذل الله تعالى من كان هكذا ... نحن في زمن يملأ الواحد منا بطنه ثم يحترق العالم كله لا يضره منه شيء البتة . إن الرجال تقاس بجديتها ، وحرثها على وجه الأرض ، وكتابة تاريخ أمتها ، وقبل ذلك بإيمانها واستعلائها على الباطل . وصدق من قال: العظماء يولدون كما يولد الناس ، والأرحام التي تقذف بالعظماء هي نفسها التي تقذف بالمفلسين ، وإنما الذي صنع الفرق هو الفاصل بين الميلاد والوفاة .
أسلم ـ رضي الله عنه ـ بمجرد لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعَرْض الإسلام عليه مباشرة ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر: صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي . رواه البخاري . وثمة درس في غاية الأهمية: أن صفة المبادرة من أخلاق الرجال. المبادرة خلق من أخلاق العظماء ، وهل يمكن أن يكون لأبي بكر ذكر لولا أنه بادر حين وصلته الرسالة في أول لقاء ، وظلت هذه المبادرة هي الشرارة الأولى التي كتبت على اسم هذا الرجل بعض التاريخ الذي يُقرأ اليوم على الأجيال ! المبادرة خلق إيجابي في أي إنسان ، ولكم رأيت أنا وغيري في ساحات الدنيا مبادرين فنحبهم ، ونهفوا إلى صفاتهم ، ونذكّر بهم وحسبهم تلك الصفة ولو كانت في أعراض الدنيا ، فكيف إذا كانت هذه الصفة في زاد الآخرة ، وتراث الأنبياء ؟! واللهِ ما رأيت في حياتي إنسانًا يتدثّر بها إلا أحببته ، وشرفت به ، وزان حديثي بذكره ، لا لشيء إلا أنها ميراث من ميراث الصالحين . وحسبهم ذلك شرفًا ورفعة ! فليتأمّل قرّاء هذه السيرة اليوم كم كانت المبادرة رفيعة في حق أبي بكر لدرجة أن يذكّر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"فصدقني حين كذبني الناس"وهل رفع عكّاشة بن محصن غيرها حين استثمر الحدث فقال بلهف هذه الصفة"اجعلني منهم فقال أنت منهم"ولما حاول الآخرون اللحاق قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"سبقكم بها عكاشة". ولكم رأيت ورأى غيري كثرة الأخيار يملؤون مجتمعات الأمة ومؤسساتها ثم هم لا شيء كما قال الأول: تكاد الأرض لا تقلهم لكنهم لا يغنون في أمر جلل ! وصدق من قال: لا يموت في الإنسان أعضاؤه لكن تموت همته وأحلامه !
ومضى أبو بكر بإسلامه عزيزًا ، وحين لامست شغاف قلبه هذه الأفراح طار بها فرحًا ، ورفض القعود على الأحلام ، وإنما راح يذيق التائهين بعض أسرار هذه الأفراح .. بدأ يكتب آثار الدعوة على الواقع ، يمد في جذورها ، ويوسّع في دائرتها ، فأسلم على يديه رجال لو لم يكن في التاريخ سواهم لكفى التاريخ بهم شرفًا ورفعة ، ومعنىً ورسالة ! هم الزبير بن العوام ، وعثمان بن عفان ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن مظعون ، وأبو عبيدة عامر بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم . ومن بقي في التاريخ من الأجلاء لم يدخل ؟! لله در الصديق ، وهل هذه الهمة إلا همم الرجال الأوفياء لتاريخ أمتهم ! هؤلاء هم جذر الدعوة وصرحها الميمون ، وإذا أردت أن تعرف حجم هذه الدعوة فاقرأ سير هؤلاء الأفذاذ في التاريخ وسترى ماذا قدم أبو بكر لهذه الأمة بهؤلاء الرجال , للهداية حق في تاريخ الإنسان حين يدرك معناها وأنها هبة ومنحة ونعمة من الوهاب ، فينطلق يجوب الأرض ليقوم بشكرها ، وليسقي غيره سلسبيلها ورحيقها الحالي .. لقد كتب أبو بكر بدعوته هذه أنفاسًا له كإنسان على وجه الأرض ، وبهذه الثمار عاش أبو بكر في الأمة حيًا ، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ! أفيكون جزاء هذه النعمة طول رقاد أيها الصالحون ؟! عيب في تاريخ كل صالح على وجه الأرض أن يعيش نعمة الله تعالى ثم لا يكون له فيها أثرٌ من شكر ! وأعظم شكر لهذه النعمة الرحيل بها إلى القلوب الضامئة ، والأنفس الضائعة لتعود بآثارها آمنة مطمئنة ! إن هذه الآثار لم تكن هي الوحيدة فحسب ! بل قدم أبو بكر قبل ذلك بأهله ، وصية الله تعالى ، أقبل بهم كلهم أعوانًا للدعوة ، وجذرًا للرسالة في وقت حاجتها ... وقد كان رضي الله عنه مع كل ما ذكرت سهلًا ليّنًا ، قريبًا للناس يألف الناس ويألفونه .. إن الدعوة قبل أن تكون همًا ورسالة هي كمٌّ من الأخلاق الرائعة في حياة الدعاة ، يمتلئ بها قلب صاحبها فيعيش متفائلًا كريمًا رائعًا بين من الذين يخالطهم ، وهل يمكن للتاريخ أن يتوسّع للجفاة الأغلاظ ؟ هل يمكن أن يكون للقساة في تاريخ أمتهم صيتٌ يكتبون به معالم الدعوة المباركة على وجه الأرض ؟ كلا ! وألف كلا ! إن من لم يستطع أن يروّض نفسه ، ويصلح عيوبها كيف يمكن أن يؤثّر في غيره؟ أو يكتب في أوساط الدعوة رجالًا يهتدون بأثره ، ويقبلون لمحاسن أخلاقه ؟ يمكن أن أقول من خلال هذه السيرة أن يعود الواحد منّا لنفسه ليجدد بعض معالمها ، وحين تبرق نفسه جمالًا روحيًا ، وأملًا وتفاؤلًا يمكن أن يؤثّر في غيره أو يسهم في إقناعه بطريق الإسلام ... وفي إسلام هؤلاء دليل صادق على هم الدعوة التي كان أبو بكر الصديق يحملها ، إنَّ أبا بكر ضرب في الدعوة بأعظم سهم ، فكتب الله تعالى أن يأتي على يديه رجال من نوع خاص في فكرهم ، وحياتهم ، وعملهم ، وهمهم ، إنني على قناعة كبيرة أن الدعوة قبل أن تكون جهدًا هي نية صادقة ، وهمًا يعيش قلب الإنسان ، ويستولي على فكره وحياته ، فإذا اجتمع في قلب الداعية ذلك ،
وزانه تعبّد لربه ، وأسرار بينه وبين خالقه ، وخبايا صالحه ، وتجمّل مع كل ذلك بأخلاق رائعة سارت بآثاره الركبان ، وتحقق له على وجه الأرض الأحلام التي لازلنا نسمع بها في التاريخ ، ولم تشهدها قلوبنا ، والله المستعان !
دعوته وتضحياته !!
إن برهان الدعوة السابق في حياة أبي بكر أكبر من أن ترويه قصة ، والثمار التي أينعت بتلك الرجال لم ينبعث بها النوم هبة رباينة ، كلا ! وإليك شاهد عيان يحكي لك بعض مواقف النبلاء: روت عائشة ـ رضي الله عنه ـ أنه لما اجتمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل ، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا ، ووطيء أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا ، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر رضي الله عنه حتى ما يُعرف وجهه من أنفه ، حتى حُمل رضي الله تعالى عنه في ثوب ودُخل به إلى منزله ولا يشكّون في موته ، ثم جعل والده وقومه يكلموه حتى أجاب آخر النهار ، وما زاد أن قال: ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه وقالوا لأمه: أنظري تطعميه أو تسقيه فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك ، فقال: أذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله ، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ؟ قالت: نعم ، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا ، فدنت أم جميل ، وأعلنت بالصياح ، وقالت: والله إن قومًا نالوا منك لأهل فسق وكفر ، إنّني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم ، قال فما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت: هذه أمك تسمع ، قال: فلا شيء عليك منها ، قالت: سالم صالح ، قال: أين هو ؟ قالت: دار الأرقم ، قال: فإن لله علىّ ألا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله فأمهلتها حتى إذا هدأت الرّجل وسكن الناس ، خرجتا به يتكئ عليهما ، حتى أدخلتاه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أكب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبّله ، وأكب عليه المسلمون ورقّ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقة شديدة ، فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي يارسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي برّة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله ، وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار ، قال: فدعا لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودعاها إلى الله فأسلمت .وأنت ترى في هذا الموقف حرص الصديق رضي الله تعالى عنه على بلاغ هذا الدين ، والإعلان به ، والصدح على مسامع البؤساء بهذه الرسالة الخالدة ، لقد كان
أبو بكر يعيش آثار الرسالة الحقيقية في قلبه ، وقد خالطت دمه ، وتخللت إلى روحه فلقي برد جمالها وروعتها فلم يجد بُدًا من الصدح بها ولو كانت العواقب أكبر مما يتصوّر الإنسان ! وهل يمكن لإنسان على وجه الأرض أن يكتب لرسالته أثرًا دون هم أو جهد أو حتى بلواء ومشقة ؟! لم تر عيني إلى هذا التاريخ ذلك ، ولا سمعته أذني في أخبار السابقين ، ولا رأيته وسمًا لأحد من المخلوقين ! وهذا أبو بكر يبرهن على بعض هذه المعالم ، ويكتب ترجمة لتلك المعاني ، فلله دره ما أكبره ! والله دره ما أصبره ! ولله دره ما أروعه مثالًا يحتذى به على مسامع العالمين . والله المستعان ! إن الدعوة هي في أمس الحاجة إلى قدوة يعيشها ويحمل همها ، ويركض بها على أرض الله تعالى ، لا كما يتوهم البعض حين يتلبّس بها أنها مجرد نجاه لشخصه فحسب ! وهؤلاء لم ينتبهوا بعد من رقدتهم ، ولم يقوموا من نومهم ، فكفاهم غطيطًا يسمعه الناس ! إن دين الله تعالى مبني على المدافعة ، وكلما قويت هذه المدافعة قوي بها ، وزاد تمكينًا ، والأعداء يعتلون كثيرًا حين لا يسمعون في الساحة صوت داعية ، ولا يرون على مشهد الأرض أثرًا لأقدام المصلحين . لذا كان من المهم جدًا أن يصدح أبو بكر بهذه الرسالة لعل في ذلك درسًا بليغًا لهؤلاء أن في الساحة غيرهم ، وفي المكان سواهم .
إن حب الله تعالى وحب رسوله معلمان يدلانك على صدق النية ، وصحة المقصد ، ولك أن تتخيّل مشهد الدماء الدافقة ! والآلام التي يعيشها جسد أبي بكر ثم تخيّل أنه لا يفكر في آلام جسده ، بقدر ما يفكّر في خليله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! ليت شعري من يدعي هذه المحبة اليوم ثم يضحي بها لأجل دنيا عاجلة أو شهوات دانية ! ولك أن تتخيّل كذلك الدعاة والمصلحين والأخيار وتتأمّل فيهم لترى كم مساحة السنة في حياتهم ؟ لتعرف أن الفرق كبير جدًا بين الواقع والحقيقة .
إذا لم تكن الدعوة حياةً في القلب لا يمكن البتة أن يكون لها ثمرة مورقة على ظهر الأرض . في أحلك الظروف ، وأقسى اللحظات لم ينس الصديق رضي الله تعالى عنه دعوة أمه إلى الإسلام ، فالحادث بكل ما يحمل من معاني لم يفلح في إيقاف تفكير الصديق لحظة عن رسالته وهمه وهدفه:"هذه أمي يارسول الله برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله تعالى". إن استثمار الفرص صفة من صفات الكبار ، وأنت ترى مع كل ما نال أبا بكر في ذلك الحادث لم تشغله تلك الأحداث والظروف الصعبة التي يمر بها من اهتباله للفرصة ، واستثمار اللحظة في حينها ،"هذه أمي يارسول الله برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله"!
إن البر بالأمهات معلم من معالم الصالحين ، وأبو بكر يعطينا درسًا غاية في الأهمية ، إن أعظم البر بالأمهات ليس خدمة لأعراض الدنيا فحسب ! وإنما دعوتها ، والحرص على دخولها جنات النعيم . والله المستعان ! على كل داعية أن يستوعب درس أبي بكر رضي الله عنه"هذه أمي يارسول الله برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله"! وليتأمّل كم هي مساحة الحرص في حياته على أهله وأبنائه ؟! كم هي المساحة الحقيقية التي تملأ قلبه حدبًا عليهم ، وخوفًا على ضياعهم ؟! كم هي المساحة التي يستحقها هؤلاء في زحمة العولمة الطاغية في مثل هذه الأزمان ؟! ولندرك أن نجاح أبي بكر رضي الله عنه اتسم بسمة لا تكاد تراها في كثير من القدوات ، سمة التكامل والتوازن ، تلك الغاية التي إذا وصل إليها فرد من الناس فليبك فرحًا فليس في الأرض في مثل نعمته ! ومن استعرض حاله في ظل هذه السيرة أدرك بما لا يدع للشك أن نجاحه إن وجد فهو مخدوش بنقصه وضعف توازنه ، وقد لا يبعد أن يكون سؤاله في التفريط مثل عطاياه في النجاح . والله المستعان !
إن التخطيط والتنظيم سر من أسرار النجاح الحقيقي ليس في الدعوة فحسب ! بل في كل شيء ، وأم جميل بنت الخطاب تعطي الرجال الذين يقرؤون التاريخ درسًا مهمًا للغاية حين سألتها أم أبي بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: ما أعرف أبا بكر ، ولا محمد بن عبد الله ، ذلك أن أم أبي بكر وقت ذلك السؤال لم تكن مسلمة بعد ، وخشيت أن تكون تلك المرأة عينًا لقريش على ثغر الإسلام الأعظم . وهل يمكن أن تكون امرأة في روح الجندية وفهم سياسات المرحلة أوعب من رجال ؟! إن التخطيط والتنظيم ليس سرًا من أسرار الدعوة فحسب لكنه عقلها ولبها وحياتها وسر نجاحها .. والقائمون على الدعوة لا بد أن ينجح الواحد منهم في التخطيط لزكاء نفسه وربحها بين يدي الله تعالى في مواقف الآخرة ، ثم عليه بعد ذلك أن يخطط لمصير أمتة أو حياة مجتمعاته ؟! لو سألت بعضًا ممن يقوم على قياد الأمة هل خطط ليومه فضلًا عن أسبوعه أو شهره أو عامه لما وجدت مجيبًا أو مسارعًا إلى ذلك ، وعيب على أمثال هؤلاء أن يتبوؤا صرح الأمة حتى لو كان من باب فروض الكفايات !
وتلك الدماء النازفة على جسد أبي بكر رضي الله عنه برهان ذلك الحب ، ولم يكن هذا الموقف في حياته فحسب ، بل كتب في حياته أروع التضحيات التي دونها التاريخ بمداد من ذهب ، إن الحب ليس كلمة باردة على لسان دعي . كلا ! وإنما هو مشاعر تكتظ في قلب صاحبها فتثير فيه أشجان المحب لمن يحب ، لقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه صورة من صور أولئك الرجال الذين أحبوا نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وكتبوا برهان ذلك على أرض الواقع .. وإليك بعضًا من مشاهد التضحيات يحكيها شاهد عيان آخر: في حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه قال سألت عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله . رواه البخاري ."
وفي هذا الموقف ما يعطيك دلالة على أن الحب لم يكن مجرد مشاعر يكتظ بها القلب ثم لا تبرحه في مواقف مشرفة كهذه المواقف ، وأنا أكتب هذا المساء عن موقف الصديق وهو يذود عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أرض مكة ، وأرى اليوم الأذناب يسطون على شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لا تجد الحب الخالد في قلوب الكثيرين يخرج في صورة مشروع للدفاع عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعد كافيًا البتة على مستوى الأمة الصراخ والشجب والعويل على كثير من القضايا ، فنحن في أمس الحاجة إلى مشروع يمكن أن يشعل فتيله فرد ممن يقدّر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - قدره . إن هذه الأحداث التي تقرأها اليوم في سيرة أبي بكر رضي الله عنه ودفاعه عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - لم تكن موقفًا واحدًا ، وإنما كان ذلك رحلة عمر قضى فيها حياته مجاهدًا في سبيل الله تعالى ..
وكم هي حاجة اليوم لإعادة بعض هذه المعاني لسيرة نبيها - صلى الله عليه وسلم - .. اليوم يُعبث في عالم القدوة على مرأى من المسلمين .. ! وكأن القوم أدركوا أنه لا سبيل لإماتة منهج هذه قدوته إلا بتشويه هذه القدوة ، والعبث بها ، أو قل إشفاء غل يتفيء قلوبهم حين يرون اتساع دائرة هذا الإسلام ، وآثار دعوة ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .. وفي مواقف أبي بكر ما يمكن أن يكون أسوة .. والله المستعان !
ـــــــــــــــ