في صلح الحديبية: وبعد أن فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، من كتابة الصلح مع قريش، أمر عليه الصلاة والسلام الصحابة أن ينحروا، ثم يحلقوا من أجل أن يتحللوا من عمرتهم؛ لأنهم قد حصروا ومنعوا من البيت. يقول الراوي: ' فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا' رواه البخاري .
توضيح موقف وتفسير تصرف: يحسن بالقدوة أن يكون على درجة من الشفافية والتحسس؛ ليبقى بعيدًا عن موارد الظنون، ومواقع التأويلات . عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا: جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: [عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ] فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: [ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا] رواه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجة والدارمي وأحمد. قال الحافظ في الفتح:'وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتياط من كيد الشيطان والاعتذار'. ويقول ابن دقيق العيد:' وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سببُ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم'.
آمنة للصحب الكرام: فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول مهدئًا من روعهم: [ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا] رواه البخاري ومسلم . عليه الصلاة والسلام لقد كان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس قولًا وعملًا .إن المتأمل ليقف متعجبًا لهذه الشجاعة المحمدية، ينطلق الناس قبل الصوت فيجدون إمامهم قد سبقهم بل قد رجع وهم في بداية الانطلاق، إن هذه الدعوة الصامتة للشجاعة مع قوارع القرآن هي التي استنهضت همة الأعمى كابن أم مكتوم ليصر على الجهاد ويحمل الراية، والأعرج كعمرو بن الجموح ليطلب الجهاد بإلحاح قائلًا:'إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة' فيقاتل حتى يقتل .
كرهت أن يحبسني:هذا مثال من غير الشجاعة ولكنه منظوم في مسلك السيرة العملية التي ترسم للأتباع، تقطع دابر الوسواس لدى بعض المتفيهقة ليميزوا ما كان رياءً مما ليس كذلك، فَعَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ:
[ ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ] رواه البخاري والنسائي وأحمد.
وصلى الله على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
من رسالة:' القدوة مباديء ونماذج' للشيخ/ صالح بن حميد
ـــــــــــــــ