-إن الإبداع من أجل أن ينمو ويزهر يحتاج إلى بيئة آمنة داخلية وخارجية تضمن له الاستمرار في الإبداع، وزيادة العطاء، وروعة الإنتاج؛ فحين يسمع الابن في البيت عبارات الاستهزاء، وألفاظ الازدراء والتنقُّص تنهال عليه من أبويه أحدهما أو كلاهما، أو من إخوته وأقاربه وجيرانه؛ فإن ذلك سيقيد حركته، ويجعله يضرب أخماسًا بأسداسٍ قبل أن يقدم على فعل شيء: ماذا تفعل؟ هذا جنون!! دعنا من عبثك!! لا تكلف نفسك عناءً لا طائل منه... وغيرها من الكلمات التي نقولها نطفئ بها ثورة في نفوسنا دون أن نعرف عواقبها، فهل سينمو الإبداع في مثل هذه الأرضية؟!
وحين يجد مثل هذا التندُّر والتنقيص في محيط مدرسته يوجَّه إليه من معلميه أو من زملائه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى ضمور اهتماماته، وفتور عزيمته، وخبوّ ذهنه، ومن ثم التفاته عن إبصار كل نقطة تفوّق لديه.
-لا بد من أجل نمو الإبداع من التشجيع وتقديم الحوافز، وإعطاء نوع من الأمن الذي يجرئ المتربي على مزيد من الإبداعات، ولا بد أن تُثار في نفسه روح المغامرة والتحدي من أجل إثبات الذات دون غرور أو جنوح، كان ابن شهاب - رحمه الله - يشجع الأولاد الصغار ويقول لهم: (لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم، يتبع حِدَّة عقولهم) (22) ، (وفي مسابقة أجرتها مجلة إنجليزية شهيرة وجهت فيه سؤالًا للأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم، وازدهار الأدب؛ فكانت الإجابة الفائزة لكاتبة مشهورة قالت: «إنه التشجيع!!» ، وقالت: «إنها في تلك السن بعد تلك الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير!!» (23) .
ـ ثم إن مما يجعل بعض جوانب الإبداع تختفي لدى المتربي هو أن المربي قد يكون يعيش ميولًا معرفية محددة، وأنماطًا حياتية معينة تجعله لا يبصر الحياة إلا من جهة ميوله ورغباته الخاصة؛ فهو يبصر كل إبداع يتوافق مع ميوله، في حين تغيب عنه صور من الإبداع كثيرة تجري من بين يديه ومن خلفه دون أن يراها؟! لذا فإن على المربي أن يقيس الأعمال والتصرفات لا من جهة توافقها مع أنماطه، وميوله، ورغباته الشخصية؛ بل يجب أن يقيسها بنظرة شمولية واسعة تجعله أقدر على اكتشاف صور أكثر من الإبداع المختفي حول حواجز الرؤية المحدودة، والنظرة المحجمة الضيقة التي يعيش فيها المربي.
ـ وحين يخفق المبدع مرة؛ فإن من الواجب ألا يُعَيَّرَ بإخفاقه، ويُحَمَّل مسؤولية ذلك وحده، ويُتخلى عنه، على حد قول القائل: (يداك أوكتا وفوك نفخ) ، بل يجب أن يواسى، ويُشد من أزره، ويثنى على مبادرته وخطوات العمل التي قام بها؛ إذ هي في حد ذاتها جهد يحتاج إلى شكر، ثم بعد ذلك يعلم أن في العالم ناجحين كُثرًا أخفقوا في محاولات كثيرة؛ لكنهم لم يقنطوا، ولم يرضوا أن يحكموا على أنفسهم بالإخفاق الدائم، بل إنهم رأوا أن كل حالة إخفاق فإنها لا بد ستدلهم على اكتشاف طريق مسدودٍ قد غاب عنهم، أو أسلوب غير صحيح يتم تلافيه في تجربة أخرى جديدة، لا بد أن يقال له وبوضوح:"إنك لن تعدم الفائدة حتى في إخفاقاتك".
إن علينا - معاشر المربين - ونحن نطلب مزيدًا من إطلاق الإبداع؛ أن نمتلك حاسة شم قوية تنفذ إلى مواطن الإبداع في شخصية المتربي، وتجيد توظيفها والتعامل معها.
خامسًا: الرسائل الخفية:
أو ما يُطلق عليها لغة الإيحاء (( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) ) [هود: 88] (24) .
كم تصنع الرسائل الخفية من أثرٍ بالغٍ في شخصية المتربي دون أن نشعر؟! وهذا الأثر قد يكون إيجابيًا نافعًا، وقد يكون سلبيًا يهدم ما قد بني، ويفسد ما تم إصلاحه؛ فحين تكون سيرة المربي حسنة، واستقامته جيدة، ومراقبته لنفسه مستمرة؛ فإن رسائل حسنةً منه ستظهر دون أن يشعر تؤثر في المتربي، وتساهم في صياغة شخصيته دون كثير نصح، أو توجيه مباشر.
ذكر ابن حجر في ترجمة (الجُلندي ملك عُمان) عن ابن إسحاق: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - يدعوه إلى الإسلام، فقال: «لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له..» (25) ، وقال يونس بن عبيد - رحمه الله: «كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله، ويسمع كلامه» (26) ، وقال عبد الواحد بن زيد: «ما بلغ الحسن إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه» .
إن «الواو والراء والدال» لا يُشَمُّ منها رائحة الورد؛ فكن بالخير موصوفًا، ولا تكن للخير وصّافًا.
إن في الناس أوجهًا لامعاتٍ تملأ العين زهرة ورواءَا
ويراها البصير صورة زهرٍ لم تهبها الحياة عطرًا وماءَا
ولقد ترى الناس يتأثرون بسمت العالم والداعية، وحسن دلّه، وعظيم مواقفه؛ أبلغ مما يتأثرون بكلامه، بل ربما نسوا الكلام وبقيت المواقف والمُثل التي انطبعت في النفوس، وقد قيل: «من لا ينفعك لحظه؛ لا ينفعك لفظه» .
إن القدوة الحسنة عملية تربوية مستمرة لا تعرف الملال ولا الانقطاع، تساعد المتربي على الارتقاء وبلوغ الكمالات، وتختصر الوقت، وتعطي قناعة تامة بإمكانية بلوغ الفضائل والكمالات.
«إن الأسوة هي علم الحياة» كما قال مصطفى الرافعي (27) - رحمه الله: (لو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها، ووضعوا في ذلك مئة كتاب، ثم رأوا رجلًا فاضلًا بأصدق معاني الفضيلة، وخالطوه وصاحبوه؛ لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة، وأجدى على الناس منها، وأدل على الفضيلة من مئة كتاب، ومن ألف كتاب... إلخ) (28) ، وذكر صاحب كتاب (من وحي الأسرة) (29) أن أحد علماء الشام قال له: «التقيت بسبعة إخوة حفظة كتاب الله، وكان أكبرهم على مشيخة القراء، فلما مات استلم المشيخة الثاني ثم الثالث وهكذا.. فقلت لأحدهم يومًا: كيف حفظتم بهذا الإتقان والإجادة وأبوكم يعمل في صبغ الثياب من الصباح إلى المساء؟! فقال: أُمُّنا حافظة لكتاب الله...» ، لقد كانت أمهم أسوة تتردد في جنبات البيت، تبني قناعات في نفوس أبنائها، وترسل رسائل خفية حسنة مفادها: (أن بالإمكان فعل ما كان، وأفضل مما كان) .
وعلى هذا فحين يختلف الحال، ويظهر التقصير من المربي - ولو تكلف إظهار نفسه بالمظهر الحسن - فإن لغة الإيحاء أو الرسائل الخفية ستوصل غير ما يقال، وتؤكد غير ما يُنفى (كيف نطمع في دعوة الناس إذا كنا نحن - الدعاة - غير مطبقين له في ذواتنا؟ كيف ندعو الناس إلى أخلاقيات لا إله إلا الله إذا كنا نحن أنفسنا غير متخلقين بها؟ كيف ندعوهم إلى الثبات إذا كنا نحن لا نثبت؟ وكيف ندعوهم إلى الصدق إذا سوغنا لأنفسنا أن نكذب؟ كيف ندعوهم إلى التجرد لله إذا كانت ذواتنا هي محور تحركنا؟ ومصالحنا الذاتية هي التي تحدد مواقفنا وأعمالنا؟(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف: 2 - 3] كبر مقتًا لأنه يكون صدًّا عن سبيل الله؛ بدلًا من أن يكون دعوة إلى الله! والشاعر يقول:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ!
نستطيع أن نخفي حقيقة أنفسنا في خطبة حماسية بليغة، أو موعظة مؤثرة، أو محاضرة قيمة، أو كتاب نؤلفه؛ ولكن الدعوة ليست خطبًا ولا مواعظ، ولا محاضرات ولا كتبًا - وإن كانت كلها أدوات نافعة مطلوبة للدعوة -، إنما الدعوة قدوة وصحبة وتربية، هكذا علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا ينبغي أن يكون فهمنا لحقيقة الدعوة.
وفي الصحبة الطويلة التي تقتضيها عملية الدعوة - أي تقتضيها عملية التربية - يستحيل علينا أن نخفي حقيقة أنفسنا، ولا بد أن «ننكشف» أمام الذين يتلقون منا؛ فكيف إذا اكتشفوا ذات يوم أننا كنا «نخدعهم» ؟! أننا كنا نحدثهم بمعانٍ نفتقدها نحن، أو نشتمل على أضدادها؟! كيف تكون الصدمة؟! وكيف تكون النتيجة؟! ونحن بهذا لسنا نشترط بلوغ الكمال في شخصية المربي - وإن كان الترقّي فيه مطلوب - بل نقصد الحث إلى مزيدٍ من الاجتهاد في متابعة النفس وإلزامها منهج الصدق والإخلاص والمراقبة.
سادسًا: لغة الحوار:
(الحوار المنهجي مفيد في إيصال الفكرة للآخرين، وحين نمارس الحوار على وجهه الصحيح؛ فإننا لا نفيد المتربي وحده بل نحن نستفيد منه أكثر؛ فمن خلال الحوار والنقاش تنضج أفكارنا، ويرتقي تفكيرنا، وتتزن نظرتنا، إننا حين نعرض أفكارنا للتشذيب والتهذيب، والإضافة والنقد؛ نكون أكثر معرفةً للواقع، وأقدر على التعامل معه.
ـ الحوار يزيد من قبول المتربي للمربي؛ حيث يشعر أن المربي لا يمارس معهم نوعًا من إلغاء الشخصية.
وحين نطالب بالحوار؛ فإننا نقصد القيام بدور المُحاور لا المناظِر؛ فهناك فرق كبير بينهما؛ فالمناظِر يبغي إقناع صاحبه برأيه ليتبناه، بينما المحاور يقوم بإضاءة نقطة مظلمة، وتوضيح قضية غامضة لا يراها المُحاور الآخر على الوجه الصحيح، وبهذا يكون الحوار هادئًا ومنتجًا؛ لأنه يستهدف النفع المتبادل وليس الاستحواذ والاستيلاء..) (30) .
ـ إن من المهم جدًا أن نجعل الحوار أساسًا في حياتنا، لا سيما في المجال التربوي، فلا نفرض الأمور فرضًا جازمًا لا يقبل المناقشة، لقد كانت النساء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجدن حرجًا في مراجعته المرة تلو الأخرى في أي شأن من شؤونهن، فضلًا عن الرجال (( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ ) ) [المجادلة: 1] ، إنه الشعور بالأمن بين المربي الرحيم - صلى الله عليه وسلم - وبين الأمة، والذي ينظر في سيرته - صلى الله عليه وسلم - يجد ما يشفي ويكفي في هذا الباب.
هذا ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول له: «إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك!! فقال - صلى الله عليه وسلم -: سل عما بدا لك!! فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: صدق، فلم يزل يسأل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيبه على ما سأل حتى رجع ضمام إلى قومه مسلمًا» (31) ، إنك لتعجب وأنت تطالع مثل هذا المثال؛ فمع الجفاف في أسلوب ضمام - زعم، وتزعم - إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقابل ذلك كله بهدوء نفس، وحسن إجابة.
(وهذا حصين بن عبيد يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولَمَّا يسلم بعدُ، فيبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - معه حوارًا منطقيًا: «كم تعبد يا حصين؟! قال: سبعة: واحدًا في السماء، وستة في الأرض!! قال: يا حصين من تعد من هؤلاء السبعة لرغبتك ورهبتك؟! قال: الذي في السماء..» (32) ، وبمثل هذا الحوار تُزال الشبهة، ويُصحح التصور!
ويذكر الشيخ عمر الأشقر في كتابه (مواقف ذات عبر) (33) ما جرى في إحدى البلاد: أن فتاةً صغيرة جاءت من المدرسة يومًا وعلامات الحزن والهمّ بادية على نفسها، فلاحظت أمها ذلك فسألتها: ما السبب يا بنيتي؟
قالت الطفلة: إن مدرّستي هددتني بالطرد إن أنا عدت بهذه الملابس الطويلة غدًا، قالت الأم المربية: ولكنها الملابس التي يريدها الله يا بنيتي! قالت الطفلة: نعم يا أماه! ولكن المدرّسة لا تريد ذلك، عندها قالت الأم بعبارة حانية وحوار هادئ: حسنًا يا بنيتي! المدرّسة لا تريد والله يريد؛ فمن تطيعين؟! أفتطيعين الذي أوجدك وصوَّرك وأنعم عليك، أم مخلوقة لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا؟
فقالت الطفلة: بل أطيع الله، قالت الأم: أحسنت يا بنيتي وأصبت.
بهذه الطريقة، وبهذا الأسلوب المقنع الذي يؤكد الثوابت، ويقيم القيم؛ جرى الحوار الهادئ بين الأم والطفلة؛ فماذا كانت النتيجة؟
في اليوم التالي: جاءت البنت إلى المدرسة بالثوب الطويل، فانفجرت المعلمة غاضبة مؤنبة للفتاة أمام زميلاتها، حتى ثَقُلَ الأمر بالطفلة فهُرعت بالبكاء الذي لا ينقطع، وعندها هدأت المعلمة، وخفّضت من صوتها، وقطعت صراخها، ثم توجهت إلى الطفلة قائلةً: لِمَ لا تستجيبين لما أمرتك به؟!
فنطقت الطفلة بكلمة الحق التي صارت كالقذيفة على هذه المعلمة: والله! ما أدري من أطيع: أنت، أم هو؟! قالت المعلمة: ومن هو؟ قالت الطفلة: الله.. أأطيعك فألبس ما تريدين، أم أطيعه وأغضبك؟! ثم قالت بكل ثبات: سأطيعه - سبحانه - وليكن ما يكون، فسكتت المعلمة، وفي اليوم التالي: دعت المعلمة الأم لتقول لها: لقد وعظتني ابنتك أعظم موعظة سمعتها في حياتي!
لقد كان هذا الثبات من هذه الطفلة نتاج القناعات التي رسخت في نفسها من جراء هذا الحوار المثير الذي قامت به الأم؛ فهل نحاور أبناءنا وطلابنا ومن نقوم على تربيتهم من أجل أن نبني في نفوسهم قناعات لا تتزعزع، وثوابت لا تتغير تكون أكثر صمودًا في زمن المتغيرات والفتن؟
ثم إن الحاجة تعظم إلى الحوار والمراجعة حال معالجة الأخطاء؛ إذ لا بد منه لأجل التعرف على ملابسات الخطأ وأسبابه قبل إصدار الأحكام؛ وذلك من أجل تجنب ردود الأفعال السريعة التي تفسد أكثر مما تصلح، وتزيد من اتساع الهوة بدلًا من تضييقها.
جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شاب ممتلئ شبابًا وقوةً وشهوةً يستأذن في الزنا؛ فهل رجمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ضربه؟ لا؛ فالأمر يحتاج إلى نوع إقناع، وفتح لعين المخطئ إلى جوانب قد غفل عنها، وهذا هو ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هذا الشاب؛ حيث قال له: ادنُ مني (إشعارًا له بالأمن) ، فلما دنا قال له: أترضاه لأمك..؟! لأختك..؟! لابنتك..؟! والشاب يقول: لا.. لا.. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرد عليه بقوله: (وكذلك الناس لا يرضونه..) (34) ، فيا له من حوار هادئ، وإقناع منطقي آتى أكله، وأعطى ثماره!
وكذا كان الأمر مع حاطب بن أبي بلتعة في القصة المشهورة في أحداث غزوة الفتح؛ فهل نحن نفتح حلقات للحوار عند معالجة أخطاء أبنائنا وطلابنا؟
حين تكتشف أن ابنك يدخن مثلًا، أو يسمع الغناء، أو يجلس مع رفقة سيئة؛ فإنك قد ترفع العصا عليه فتوجع يده، أو تضرب هامته، وتتبع ذلك بصيحات الوعيد، وزمجرات التهديد، وتظن أنك قد قضيت على المشكلة، لكنها في الحقيقة تزداد تجذرًا في نفسه، ورسوخًا قد يحمله على التحدي والعناد، بينما لو فتحت عينيه بالحوار الهادئ إلى شيء لم يدركه؛ فإنك على أقل تقدير إن لم تقض على المشكلة فستوقف مدها، أو تجعله يتعامل بحذر قد يسهم باستيقاظه فيما بعد، وتنبعث في نفسه أسئلة تحتاج إلى إجابة، وحين نقول ذلك فلسنا نعارض العقوبة ونمنع منها؛ لكنّا نحاول حصرها في مكانها الصحيح الذي تفيد منه.
أما حين نفرض الأمور فرضًا جازمًا، ونلغي مساحة الحوار والنقاش المفيد؛ فإننا قد نوجه الظاهر من شخصية المتربي بحكم السلطة والنفوذ، لكننا سنكون بعيدين كل البعد عن الشعور الداخلي وتغيير القناعات؛ مما قد يسبب تمردًا - إن صح التعبير - في المستقبل القريب أو البعيد متى ما وجدت الفرصة مواتية لذلك، وكما في المثال الإنجليزي: (من السهل قيادة الحصان إلى نبع الماء، ولكن من الصعب إجباره على أن يشرب) (35) .
سابعًا: التدريب:
لقد كتب الله لأنبيائه رعي الغنم قبل البعثة كفرصةٍ للتدرب على سياسة الناس والصبر والجلد، إضافةً إلى ما تورثه برعيها من الرحمة واللين؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم!! قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) (36) ، قال ابن حجر معلقًا: «قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيتها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم من الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة؛ ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك لأول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخُصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرباط دونها - أي الغنم - في العادة المألوفة، ومع أكثريتها فهي أسرع انقيادًا من غيرها..» (37) ، فإذا كان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يحتاجون إلى نوع تمرين وتدريب لأجل رعاية الخلق ومعالجتهم؛ فغيرهم ممن يسير على طريقتهم من باب أوْلى وأحرى.
والتدريب هو: «عبارة عن نشاط منظم يركز على الفرد لتحقيق تغير في معارفه ومهاراته وقدراته لمقابلة احتياجات محددة في الوضع الحاضر أو المستقبلي، في ضوء متطلبات العمل الذي يقوم به المرء، وفي ضوء تطلعاته المستقبلية للوظيفة التي يقوم بها في المجتمع» (38) .
ومن هنا نعلم أن التدريب ارتقاء دائم، وتطور مستمر، يسهم في تحسين الأداء، وتصحيح الأفكار، وزيادة البصيرة.
إن الدورات التربوية التدريبية تجمع إليك تجارب مركزةً لناجحين اختيرت بعناية، تجعل المربي يقوم بأداء أفضل، ومن ثم ثمرات أفضل، فإذا كان هذا ما سنحصل عليه من خلال الدورات التدريبية التربوية فلا ينبغي الاستنكاف عن الاستفادة منها حتى لو كلفنا ذلك بعض المال.
إن رجال الإدارة والاقتصاد وغيرهم ليسوا أحق بهذه الدورات والبرامج التدريبية من رجال التربية والتعليم والدعوة الذين يقومون على بناء الأجيال، ورعاية الناشئة، وصياغة الأمة وصناعتها، إننا بحاجة لمن يعلمنا فن الحوار، وفن الصمت، ومن يعلمنا الكف عن الإدمان على بعض الأشياء وبعض التصرفات، كما ( أننا بحاجة إلى من يدربنا على إدارة الوقت، وإدارة أعمالنا عن طريق الهاتف، وعن طريق الأهداف، وطريق التفويض، ومن يدربنا على رسم الأهداف، وعلى التخلي عن النزعات العدوانية، ومن يدربنا على حل مشكلاتنا عن طريق التفاوض، ومقايضة المصالح، ومن يدربنا على القراءة المثمرة، والتفكير المبدع، وحين نحرز تقدمًا على هذه الأصعدة؛ فإننا سنجد أن معالم حياتنا كلها قد تغيرت، وصارت فرص النجاح والارتقاء أفضل بكثير مما هي عليه اليوم) (39) .
وحيث إن الأمر هنا مجرد إثارة للموضوع لا غير؛ فإني أشير إلى بعض مواضيع الدورات التي يحتاج إليها المربي من أجل تربية أفضل فمن ذلك:
صياغة الأهداف - إدارة العمل - تحسين الأداء - أنماط الشخصية - فن التعامل والقدرة على التأثير - رعاية الإبداع - أدبيات الحوار - حل المشكلات وغيرها كثير.
وختامًا: فإن صياغة النفس البشرية على الفضائل، وتربيتها على الكمالات؛ عملية ضخمة كبيرة لا يصح أن تُصرف لها فضول الأوقات، إنها ليست عملية يوم أو شهرٍ أو سنة، بل هي جهد دائم، وسعي مستمر وكما قال الرافعي: (إننا لسنا على غارة نُغيرها، بل على نفوس نُغيّرها) (40) فكم هي مهمة عظيمة جليلة!
(1) رواه البخاري ضمن حديث الإسراء الطويل، رقم (3207) .
(2) الفروق، 4/ 170.
(3) البخاري، رقم (5063) .
(4) رواه الترمذي، رقم (2507) ، وصححه الألباني.
(5) الطرق الجامعة للقراءة النافعة، لمحمد موسى الشريف، ص 20.
(6) بناء الأجيال، د. عبد الكريم بكار، ص 99، وفيه مزيد كلامٍ يحسن مراجعته.
(7) وأد مقومات الإبداع، إبراهيم البليهي، ص 81، كتاب المعرفة.
(8) انظر: المشوق إلى القراءة وطلب العلم، علي العمران؛ فقد جمع من عجيب أحوال السلف مع القراءة والطلب.
(9) مسافر في قطار الدعوة. الشويخ، ص 312، نقلًا عن إحياء علوم الدين.
(10) القراءة المثمرة، بكار، ص 54.
(11) إغاثة اللهفان، ص 86.
(12) إغاثة اللهفان، ص 87.
(13) إغاثة اللهفان، ص 91.
(14) أبو داود، رقم (4888) .
(15) البخاري، رقم (6069) .
(16) مسلم، رقم (2749) .
(17) مقالات في التربية، الدويش، ص 71.
(18) محاسن التأويل، للقاسمي، في تفسير آية التحريم 3.
(19) منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، 2/ 47.
(20) اكتشاف الذات، بكار، ص (109) .
(21) اكتشاف الذات، بكار، ص (109 ـ 110) .
(22) جامع بيان العلم وفضله، 1/ 85.
(23) علو الهمة. محمد إسماعيل المقدم، 399.
(24) الإصابة، (1/ 538) .
(25) سير أعلام التابعين، صبري شاهين، ص (15) .
(26) وحي القلم، (2/ 111) .
(27) وحي القلم، ( 3/ 46) .
(28) عبد الله البوسعيد، ص 210.
(29) رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، محمد قطب، ص 230.
(30) بناء الأجيال، لعبد الكريم بكار، ص 29، (بتصرف) .
(31) البخاري، حديث، رقم 63.
(32) الترمذي، رقم 3483، وضعفه الألباني.
(33) ص 99.
(34) رواه أحمد، (5/256) ، والهيثمي في المجمع، (1/ 129) .
(35) 200 حكمة قيادية ووصية إدارية، للحمّادي، ص 30.
(36) البخاري، رقم (2262) .
(37) فتح الباري، (4/ 558) .
(38) حول التربية والتعليم، عبد الكريم بكار، ص 389.
(39) حول التربية والتعليم، د. عبد الكريم بكار، ص 403.
(40) وحي القلم، (1/ 23) .
المصدر: http://albayan-magazine.com/bayan-202/bayan-05.htm
ـــــــــــــــ