فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 145

يتناول الدرس معنى القدوة وأهمية القدوة الحسنة والشوط الواجب توفرها في الشخص حتى يكون أهلا لئن يقتدى به، وماهي الأمور التي تخرج الشخص عن صلاحية الاقتداء به، ثم بين كيف تتم التربية بالقدوة مع بيان نماذج من القدوات عبر التاريخ .

أولًا التعريف:

يقول الله سبحانه وتعالى: ' لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21] ' سورة الأحزاب , قال القرطبي في تفسيره: [ الأسوة القدوة , والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدي به في جميع أحواله ] , ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: [ الأسوة نوعان؛ أسوة حسنة، وأسوة سيئة ] ، نخلص من هذا أن القدوة الحسنة تنطبق على من يتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - , فيكون متبوعًا في كلامه وأفعاله.

ثانيًا: أهمية القدوة

وتكمن أهمية القدوة في العملية التربوية في الأسباب التالية:

1-إن القدوة الحسنة يثير في نفس العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان , فتتهيج دوافع الغيرة لديه، ويحاول تقليد ما استحسنه وأعجب به.

2-إن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة.

3-إن مستويات الفهم لكلام عند الناس تتفاوت ، ولكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي ؛ فإن ذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد المربي إيصالها للمقتدي.

4-إن الاتباع ينظرون إلى القدوة نظرة دقيقة دون أن يعلم ، فرب عمل يقوم به لا يلقي له بالًا يكون في حسابهم من الكبائر

هفوة العالم مستعظمة إن هفا أصبح في الخلق مثل

وعلى زلته عمد تسهم فبها يتحج من أخطأ وزل

لا تقل يستى علمي زلتي بل بها يصل في العلم الخلل

إن تكن عندك مستحقرة فهي عند الله والناس جبل

فإذا الشمس بدت كاسفة وجل الخلق لها كل الوجل

وتراقت نحوها أبصارهم في انزعاج واضطراب وزجل

وسرى النقص لهم من نقصها فغدت مظلمة منها السبل

وكذا العالم في زلته يفتن العالم حرًا ويضل

يقتدي منه بما فيه هفا لا بما استعصم فيه واستقل

فهو ملح الأرض ما يصلح إن بدا فيه فساد وخلل

وهذا أبو جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أخبر بحمل الإمام أحمد للمأموم في الأيام الأولى للفتنة عبر الفرات , فإذا أحمد جالس في الخان فسلم عليه , وقال:[

يا هذا؛ أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل ـ يعني المأمون ـ إن لم يقتلك فإنك تموت ولا بد من الموت؛ فاتّقِ الله ولا تجبهم إلى شيء , فجعل أحمد يبكي , ويقول: ما قلت؟ فأعاد عليه فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله ].

ثالثًا: شروط القدوة

1-الإيمان بالفكرة: لا تتكون القدوة في نفس الداعية حتى يكون هو أول من يؤمن بما يقول ، ثم ينقل هذا الإيمان إلى عمل.

2-تعلم العلم: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [ تعلموا قبل أن تسودوا ] ، فالسيادة في الدعوة تحتاج إلى علم يتأكد فيه القدوة من صحة خطواته، ويصحح فيه خطوات الآخرين.

3-حسن الخلق: هناك أخلاق بارزة يحتاجها الداعية القدوة دائمًا ، وبغيرها يصبح من المتعذر عليه النجاح في دعوة الناس، ومن أهمها الصبر والرحمن والرفق والتواضع والمخالطة.

4-موافقة العمل القول.

5-عدم الانقطاع عن الأعمال: عدم الانقطاع عن عمل ما دون أي مبرر شرعي أو نسيان, وترجع خطورة هذا الانقطاع إلى أمرين ؛ الأول: هو دخوله في دائرة الذين يقولون ما لا يفعلون ، و الثاني: هو إحساس المتربي بعدم جدية ذلك الأمر وأهميته.

6-التثبت من صحة النقول: سواء كانت أحاديث للرسول صلى الله عيه وسلم أو كلمات للصالحين؛ فإذا كان القدوة لا يتثبت من صحة النقول يكون المقتدون كذلك.

7-الابتعاد عن المباحات: يقول ابن القيم: [ فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاء على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخًا ين الحلال والحرام ] .

وهذه أتقنها يحيى بن يحيى فقد كان يومًا عند مالك في جملة أصحابه؛ إذ قال قائل: قد حضر الفيل فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره [أي وبقي يحيى مكانه] فقال له مالك: لم تخرج فترى الفيل - لأنه لا يكون بالأندلس -، قال يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك , وأتعلم من هديك وعلمك , ولم أجئ لأنظر إلى الفيل , فأعجب به مالك , وسمّاه عاقل أهل الأندلس.

8-المحاسب الدائمة: فعلى الداعية القدوة أن يعي أنه تحت رقابة دقيقة ممن يتخذونه قدوة لهم فيحاسب نفسه على كل كلمة أو تصرف صغر أم كبر حتى يتجنّبه في مرات أخرى.

رابعًا: مبطلات القدوة

1-مخالفة العمل للقول: ولا نستغرب عندما يطلق ابن الحاج على الخطورة التي تترتب على ذلك السم القاتل ، ويعلل ذلك بأن الغالب على النفوس الاقتداء في شهواتها وملذاتها وعاداتها أكثر مما تقتدري به في التعبد الذي ليس لها فيه حظ، فإذا رأت ذلك من عالم؛ وإن أيقنت أنه محرم أو مكروه أو بدعة تعذر نفسها في ارتكابها.

عن أسامة بن زيد قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: [يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ] رواه البخاري ومسلم وأحمد.

2-عدم الالتزام بالقول: وتختلف عن سابقتها بأن هذه لا تكون فيمن يخالف عمله قوله متعمدًا، وإنما تكون فيمن لا يطبق ما يقول، وليس على صفة الدوام، وذلك لأسباب منها:

أ- عدم تقدير حجم العمل المترتب على قوله.

ب- عدم معرفة نوع العمل المترتب على قوله.

ج- الحماسة غير الواعية.

د- عدم تقدير القوة التي يمتلكها لأداء ذلك العمل , ومن ثم يواجه بذلك العمل؛ فلا يستطيع أن يطبق ما قاله، ودعا إليه، ويتضح ذلك في قول ابن عباس رضي الله عنه: [كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجلّ دلّنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به فأخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن أحب الأعمال إليه إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به , فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين , وشق عليهم أمره، فقال الله تعالى: ] يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون[.

3-الزلل بجميع صورة القولية والفعلية.

4-الانتصار للنفس: والانتصار للنفس ظاهرة تنبئ عن عدم إخلاصه لما يحمل من معانٍ سامية, محاولًا إخفاء الحقيقة في سبيل عدم الوقوع في دائرة الإحراج التي يعتبرها مسًا لكرامته ومكانته بين متّبعيه , وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ قدوتنا جميعًا ـ يمر بقوم على رؤوس النخل فيقول: [مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ] فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: [ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ] , قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ] أخرجه مسلم وابن ماجة وأحمد , فبهذا التجرد الخالص له وحده يكون القدوة ناجحًا في دعوته، وكيف لا يتبع قوم قدوتهم وهو على هذا المستوى من التجرد البيّن للحق.

خامسًا: كيف تتم التربية بالقدرة

نقتطف هنا بعض الزهور من الروضة النبوية لنرى كيف استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - القدوة الحسنة في تربية أصحابه رضي الله عنهم كأسلوب متميز عن باقي الأساليب في الدعوة.

1-أهمية التربية الصامتة للأتباع: في صلح الحديبية، وبعد أن فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قضية الكتاب قال للصحابة رضي الله عنهم: [ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا ] قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد . 2-لا بد للقدوة أن يوضح بعض التصرفات التي يقوم بها للأتباع خاصة تلك التي تحتمل التأويل السيء , ومثالًا على ذلك جاءت صفية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة, ثم قامت تنقلب , فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقلبها ؛ حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: [عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ] فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: [ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا] خرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد كلهم عن الحسين بن علي , يقول ابن حجر: وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتزار، ويقول ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.

3-عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت؛ فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي في عنقه السيف وهو يقول: [ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا] أخرجه السبعة ماعدا النسائي , فهذه الدعوة الصادقة للشجاعة هي التي أخرجت أعمى كابن أم مكتوم يصر على الجهاد ، ويحمل الراية ويقاتل حتى يقتل ، وهي التي أخرجت أعرج كعمرو بن الجموح يبكي لأنه أعفي من الجهاد، ثم يطلب بإلحاح مشاركة المجاهدين، ويقول: إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة، ويقاتل حتى يقتل.

4-روى البخاري في صحيحه عن عقبة قال: صليت وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة العصر فسلم , ثم قام مسرعًا , فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم , فرأى أنهم عجبوا من سرعته , فقال: [ ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ] رواه مسلم والنسائي وأحمد.

ولكم ألقى الشطان في نفوس بعض المربين أن الإنفاق أمام المتربين من الرياء , فيحجم عن أصل من أصول العملية التربوية، وبالتالي يفاجأ هذا الأخ بظهور علامات الشحّ على من يربيهم مع أنه أعطاهم دروسًا كثيرة عن الإنفاق، وينسى حقيقة وهي هل رأوا واقعًا عمليًا للإنفاق من مربيهم؟

صفحات مملوءة بالقدوات

1-القدوة في الشجاعة: قال ابن المبارك: لقد كنّا يومًا في المسجد الجامع , فوقعت حية , فسقطت في حجر أبي حنيفة , فهرب الناس غيره , ما رأيته زاد على أن نفض الحية وجلس.

2-القدوة في التضحية للمبدأ والعقيدة:يوسف بن يحيى البويطي خليفة الإمام الشافعي كانت الفتاوى ترد عليه من السلطان فمن دونه، وهو مقتدى به أعمال المعروف كثير التلاوة لا يمر يوم ولا ليلة غالبًا ما يختم، فسعى به من يحسده، وكتب فيه إلى ابن أبي دؤاد بالعراق، فكتب إلى والي مصر يمتحنه؛ أي يسأله هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق ؟ فامتحنه فلم يجب ـ أي بخلق القرآن ـ فقال له: قل فيما بيني وبينك , قال: إنه يقتدي بي مائة ألف , ولا يدرون المعنى ، فأُمِر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد - يقول الربيع صاحب الشافعي - ولقد رأيته على بغل , وفي عنقه غلّ,وفي رجليه قيد , وبين الغلّ و القيد سلسلة حديد , وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة فكأن مخلوقًا خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه , ولأموتن في حديدي هذا ؛ حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم.

3-القدوة في العزة: جاء في ترجمة الخطيب البغدادي أنه دخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير، فقال للخطيب: فلان يسلم عليك , ويقول لك اصرف هذا في بعض مهماتك , فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه ، وقطب وجهه ، فقال العلوي: كأنك تستقله , ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها فقال: هذه ثلثمائة دينار، فقام الخطيب محمرًا وجه، وأخذ السجادة , وصب الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.

وحركة نقض السجادة التي لم تستغرق دقيقة واحدة من الخطيب ربت أتباعه الذين كانوا في المسجد على معاني العزة وحقارة العبودية لغير الله ؛ ظهرت في قول أحدهم: ما أنسى عز خروج الخطيب , وذلك ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصير ويجمعها .

4-القدوة في الورع: هذا هو الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب [مختصر صحيح مسلم] يعطي درسًا عمليًا في الورع لصاحبه الحافظ الدمياطي , فقد خرج من الحمام وقد أخذ منه حرها فما أمكنه المشي فاستلقى على الطريق إلى جانب حانوت فقال له الدمياطي: يا سيدي أنا أقعدك مسطبة الحانوت ـ وكان الحانوت معلقًا ـ فقال وهو في تلك الشدة: بغير إذن صاحبها كيف يكون , وما رضي.

اسم الكتاب: المصفى من صفات الدعاة ... ... المؤلف: عبد الحميد البلالي

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت