فهرس الكتاب
فصَّل ذلك العلامة ولي الله الدِّهلوي (1) - رضي الله عنه - فقال: (( إنها حالة بعيدة غير واقعة لبعد العهد عن زمان الوحي، واحتياج كل عالم في كثير مما لا بد له في علمه إلى ما مضى من روايات الأحاديث على تشعب متونها وطرقها، ومعرفة مراتب الرجال، ومراتب صحة الحديث وضعفه، وجمع ما اختلف من الأحاديث والآثار، والتنبّه لما يأخذ الفقيه منها، ومن معرفة غريب اللغة وأصول الفقه، ومن رواية المسائل التي سبق التكلم فيها من المتقدمين مع كثرتها جدًا وتباينها واختلافها، ومن توجيه أفكاره في تمييز تلك الروايات وعرضها على الأدلة، فإذا أنفذ عمرَه في ذلك كيف يوفي حق التفاريع بعد ذلك، والنفس الإنسانية وإن كانت زكية لها حدّ معلوم تعجز عما وراءه.
وإنّما كان هذا ميسّر للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهدُ قريبًا، والعلوم غير متشعبة، على أنه لم يتيسر ذلك أيضًا إلا لنفوس قليلة، وهم مع ذلك كانوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفاتهم في العلم صاروا مستقلين.
وبالجملة فالتمذهب للمجتهدين سرٌّ ألهمه الله تعالى العلماء، وتبعهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون )) .
وهذا الكلام من العلامة الدِّهلوي - رضي الله عنه - في غاية الدقّة والروعة، فحفظ الأحكام الشرعية في هذه الشريعة المحفوظة ما كان إلا بهذه المذاهب المقبولة، فإرادة الله تعالى اقتضت هذا، ولذلك أرشد - جل جلاله - العلماء الصادقين المخلصين من هذه الأمة إلى التزام طريق هؤلاء الأئمة، ولولا ذلك لبقي المسلمون يعيشون في فوضى واضطراب في الأحكام الفقهية لا نهاية لها، ولفتح الباب لأهل الأهواء للتلاعب في هذه الشريعة الغراء، لكن الله غالب على أمره ولو كره المبطلون.
(1) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص72-73.