الصفحة 211 من 374

أما الأئمة فكان الأمر أيسر لهم لقرب عهدهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولشدّة ورعهم وتكافلهم في خدمة هذا الدين، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( إنَّ الأئمة المتبوعين - رضي الله عنهم - كانوا كأسرة واحدة، يتناصرون في خدمة شرع الله سبحانه ، يستفيد هذا ما عند ذاك، وذاك ما عند هذا، حتَّى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم تمام النضج، بانصرافهم كلّ الانصراف إلى استقصاء ما ورد في السنة، قبل أن يَدخلها الدَّخيل بعد القرون الفاضلة… والرُّواة الذين بين كل واحد منهم وبين الصحابة - رضي الله عنهم - لا يزيد عددهم في الغالب على راويين اثنين فقط: أحدهما شيخه، والآخر شيخ شيخه، ومن السهل عليهم معرفة أحوال هذين الاثنين، ومن في طبقتهما معرفة لا تشوبها شائبة ) ).

الرابع: يسر استخراج الأحكام من الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء:

إن أئمة المذاهب استقرءوا نصوص الشريعة وسبروها، واستخلصوا منها الأصول والقواعد التي تنتظم فيها المسائل الفقهية لدى كل منهم، فلم يبق على مَن قلدهم إلا استخراج أحكام ما لم ينصوا عليه مما استجد من المسائل الفرعية على أصولهم وفروعهم التي وردت عنهم.

حيث أنهم قطعوا لمن بعدهم مرحلة طويلة وشاقة في استخلاص الفروع من نصوص الشارع، فكان عمل مَن بعدهم أيسر وأسهل في التعرف على أحكام الشريعة، ويظهر هذا جليًا لمَن فرغ وقته ونفسه في الاشتغال على مذهب من مذاهب هؤلاء الأئمة - رضي الله عنهم -، وسيأتي مزيد من التفصيل عند الكلام عن المجتهد في المذهب.

الخامس: قلّة الدين والورع والتقوى وفساد الحال كلّما تأخر الزمان:

(1) في تأنيب الخطيب ص2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت