فهرس الكتاب
يشهد لذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني…) (1) ، قال الحافظ ابن رجب (2) - رضي الله عنه: (( ثمّ قلَّ الدين والورع، وكثر مَن يتكلم في الدين بغير علم ومَن ينصب نفسه لذلك، وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذا الزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أنّ كلّ أحد يفتي بما يدّعي أنه يظهر له أنه الحقّ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حرامًا والحرام حلالًا.
ولقال كلّ مَن شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعًا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث. فصار الناس كلهم يعوِّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم )) .
السادس: أنه لا فائدة عملية تعود علينا بترك الالتزام المذهبي والدعوة إلى الاجتهاد لكل أحد:
إننا لو سلمنا أن مَن سيقوم بهذا الاجتهاد من أهله وله درجة عالية من التقوى والورع وإن كان هذا بعيد المنال، فإنه لا بدّ له من أصول يحتكم إليها في استنباط الأحكام من مصادرها الأصلية فإن كان ذلك، فلا بدّ عليه من استخراج الأحكام في جميع الأبواب الفقهية كما فعل المتقدّمون؛ ليشمل جميع نواحي حياة الفرد المسلم وهذا وإن كان مستحيل الوقوع؛ لكثرة الفروع وتشعبها، لكن لو سلمنا ذلك فما هي الفائدة من هذا العمل؟ فإن جميع ما بيَّن من الأحكام مبيَّن في كتب الفقه بما لا مزيد عليه، أما المسائل المستجدة في هذا الزمان فقد فصل أحكامها أصحاب هذه المذاهب فلم تبق شاردة ولا واردة إلا وحكمها واضح جلي.
(1) سبق تخريجه.
(2) في الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ص27-28.